المعروف بغير كيفيّة ، لا يدرك بالحواسّ ، ولا يقاس بالنّاس ، ولا تدركه الأبصار ، ولا تحيط به الأفكار ، ولا تقدّره العقول ، ولا تقع عليه الأوهام .
لمّا ظهر من الفوائد السابقة انّ السبيل إلى معرفة الله منسدّة من هذه الطرق : وهي طريق الحدس والتشبيه وضرب الأمثال والمقايسة إلى شيء والشريك في مفهوم ، إلى غير ذلك من طرق معرفة الأشياء ، هدانا الإمام عليه السلام طريق المعرفة بقوله : « المعروف » - إلى آخر كلامه . وقوله : « لا يدرك » استيناف بيان لقوله : « بغير كيفية » والغرض : انّ معرفته سبحانه بهذه السلوب :
وهي انه سبحانه لا كيفية له بمعنى انه لا يدرك بالحواس الظاهرة والباطنة ، ولا يقاس بالناس في شيء من الأشياء ولا يشاركهم في معنى من المعاني ، ولا يدركه أبصار القلوب ، ولا تحيط به أفكار العقول ، ولا تفرضه الأذهان بأن يفرض له قدرا يتعقل ذلك القدر أو شبحا يتمثل عند الفكر ، ولا يقع عليه طائر الوهم بأن يدركه ويصل إليه إذ « كل ما ميّزه الوهم فهو مخلوق » « 1 » كما في الأخبار .
فكل ما قدّره عقل أو عرف له مثل فهو محدود ، وكيف يوصف بالأشباح وينعت بالألسن الفصاح من لم يحلل في الأشياء فيقال : هو فيها كائن ولم ينأ عنها فيقال : هو عنها بائن ، ولم يخل منها فيقال له :
« أين ؟ » ولم يقرب منها بالالتزاق ، ولم يبعد عنها بالافتراق ، بل هو في الأشياء بلا كيفيّة . وهو أقرب من حبل الوريد ، وأبعد من الشّبهة « 2 » من
هامش
( 1 ) . علم اليقين ، ج 1 ، ص 74 ومر أيضا في ص 243 .
( 2 ) . الشّبهة : الشّبه ( التوحيد ، ص 79 ) .