بالحس سواء كان لبعض ذوات الحس أو لجميعها ، إذ التعريف في الحس للجنس وبالجملة ، هو ما من شأنه أن يدرك بواحد من الحواس في أي وقت كان إذ القضية في أمثال هذه المقامات مطلقة والحواس أعمّ من أن يكون ظاهرة أو باطنة ؛ ولا ريب انّ كل ما هو جسم أو جسماني من الأمور التي من شأنها الوجود في أحد الأزمنة فهو مما يمكن أن يدرك بالحس الظاهر أو الباطن فلا يكون غيبا إذ هو ما لا يدرك بالحس ، فاتّضح وجود الجواهر العقلية . وأمّا اختلاف طبقاتها ، فيظهر من صيغة الجمع المحلاة باللام كما لا يخفى .
فإن قيل قد ذكر صاحب النهاية : انّ الغيب كل ما غاب عن العيون سواء كان محصلا في القلوب أو غير محصل ، وفي القاموس ما يقرب منه .
قلنا : من البيّن انّ ذكر العين ليس للتخصيص بل لأجل كونها أقوى الحواس وأظهرها وقد صرح البيضاوي في تفسير « الغيب » بما غاب عن الحس « 1 » ، وكذا غيره من المفسرين .
« فمعاني الخلق عنه منفيّة وسرائرهم عليه غير خفيّة .
« معاني الخلق » هي المفهومات التي تثبت لهم ويصدق عليهم سواء كانت أمورا عينية أولا ، وأعمّ من أن يكون عينا كالذاتيات أو غيرها ، سواء كان لازما أو عارضا ، صفة أو حالا ؛ إذا تحقّقت ذلك ، فانظر أيّ شيء بقي بعد ذاك . ثمّ انّ « الفاء » للتفريع أي تفريع الجملتين على الجمل السابقة : فقوله : « معاني الخلق عنه منفية » تفريع على كونه سبحانه « بعيدا من حدس القلوب ، متعاليا عن الأشباه والضروب » وكونه « وترا » ، وقوله : « سرائرهم عليه غير خفية » متفرع على كونه « علام الغيوب » .
هامش
( 1 ) . قال البيضاوي : « المراد به الخفي الذي لا يدركه الحس ولا يقتضيه بديهة العقل أو الغيبة والخفاء - أنوار التنزيل ( تفسير البيضاوي ) ص 8 .