حقيقة الحركة ، هو التغيّر ، والسكون عدمه عمّا من شأنه ذلك ، واستعمال الجريان الّذي هو بمعنى السّيلان مع الحركة من كمال البلاغة . واستدلّ على ذلك بوجوه :
الأوّل ، انّه سبحانه فاعل الحركة ومجريها إذ الحركة لا بدّ لها من محرّك وقد ثبت انتهاء المحرّكات إلى محرّك لا محرّك فوقه ، فكيف يجري عليه الحركة لاستلزام كون شيء واحد بسيط فاعلا وقابلا وأنّى يوصف هو عزّ شأنه بخلقه ؟ ! .
الثاني ، انّه قد ثبت انّ الحركة ابتدأت منه سبحانه ، فهو مبدأ الحركة ، وهي ممّا لا بدّ لها من موضوع يقوم به ، ومن نهاية ينتهي إليها ، فالموضوع بمنزلة الوسط لصورة الحركة فلو عادت إليه الحركة بأن يصير موضوعا لها ، لكان لا يتميّز المبدأ من الوسط وهو شنيع .
إذا لتفاوتت ذاته ولتجزّأ كنهه
هذا إشارة إلى الدّليل الثالث والرّابع :
بيان الثالث ، إنّ الحركة ، هو التغيّر والسّيلان والمتحرّك لا بدّ وأن يتغيّر من حال إلى حال فيختلف عليه الأحوال فيتفاوت الذات بحسب توارد الصّفات .
وبيان الرابع : إنّ المتحرّك لا بدّ أن يكون بالفعل من وجه وبالقوّة من جهة أخرى ؛ إذ الحركة كمال أوّل لما بالقوّة من جهة ما بالقوّة ، فيلزم التجزّي من شيء بالفعل ومن شيء بالقوّة .
ولامتنع من الأزل معناه
هذا هو الدليل الخامس وتقريره : إنّ الحركة هو التغيّر والتجدّد وذلك يستلزم الحدوث إذ الحركة لا بدّ لها من فاعل وموضوع ، فهي مسبوقة « 1 » بهما ، والحدوث هو المسبوقيّة بالغير .
هامش
( 1 ) . مسبوقة : مسبوق ن .