تقتضيها فكأن ابن سينا كان مترددا في ذلك ( فلا واسطة بينهما ) أي بين الصحة والمرض المعرفين بهذين التعريفين ( إذ لا خروج عن النفي والاثبات ) فالكيفية التي بها تصدر الافعال عن موضوعها اما أن تكون أفعالها سليمة أو غير سليمة فالأولى هي الصحة والثانية هي المرض ( وأثبت جالينوس ) بينهما واسطة وسماها الحالة الثالثة ( فقال الناقة ومن ببعض أعضائه آفة أو يمرض مدة ) كالشتاء ( ويصح مدة ) كالصيف ( لا صحيح ولا مريض وأنت تعلم أن ذلك ) أي اثبات الواسطة انما هو ( لاهمال شروط التقابل من اتحاد المحل والزمان والجهة و ) تعلم ( أنه إذا روعى شروط التقابل ) بين الصحة والمرض ( فلا واسطة ) بينهما أصلا لان العضو الواحد في زمان واحد من جهة واحدة لا يخلو من أن يكون فعله سليما أو غير سليم فلا يتصور واسطة بين الصحة والمرض المعرفين بما مر إذا روعى الشرائط المعتبرة
شرح
( قوله مترددا في ذلك ) لا تردد له في كون المرض في التحقيق عدميا كما لا يخفى على من نظر في كلامه في الفصل الثالث [ قوله اما أن تكون أفعاله سليمة ) فيه انه يجوز أن لا تكون أفعالها كلها سليمة ولا غير سليمة بان يكون بعضها غير سليمة والأظهر أن يقول أولا تكون سليمة ليكون المراد دائرا بين النفي والاثبات وصريحا في عدم الواسطة قيل عدمه انما يظهر إذا عرف بحالة أو ملكة لا يصدر بها جميع الأفعال سليمة لا بما عرف به المصنف فإنه ان أريد بلفظ الافعال في التعريفين الاستغراق يلزم الواسطة وان أريد به الجنس يلزم كون عضو واحد صحيحا ومريضا إذا كان بعض أفعاله سليما وبعضه غير سليم وإرادة الاستغراق في تعريفه والجنس في تعريف المرض مما لا يرضى به الطبع السليم والجواب ان المراد الاستغراق لكن ليس المراد بقوله يصدر عنهما الافعال سليمة أو غير سليمة أن يصدر عنه جميع الأفعال موصوفة بالسلامة أو بعدمها والا لزم أن لا يتصف عضو بالصحة والمرض الا بعد صدور كل فعل عنه بل المراد ان كل فعل يصدر عنه يكون سليما أو لا يكون كل ما يصدر عنه سليما بطريق رفع الايجاب الكلي الشامل للسلب الكلي والسلب عن البعض دون البعض فلا واسطة وذلك بأن يعتبر عموم الأفعال بعد نسبة الصدور إليها وان كان الظاهر مقدمة عليها لكونه مدخول الصدور كما في قوله تعالىوَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍوان يكون لفظ الغير في غير سليمة للسلب أي لا سليمة وإلى ما ذكرنا أشار الشارح فيما سبق بقوله إذ لم يعتبر فيه الا كون الفعل الصادر عن الموضوع سليما لكان أظهر وأسلم ولو عرف الصحة بأنها حالة أو ملكة لكل فعل يصدر بها عن موضوع لا يكون سليما لكان أظهر وأسلم
هامش
( قوله فلا واسطة بينهما ] قيل عدم الواسطة مبنى على أن يجعل لفظ الافعال في تعريف الصحة للاستغراق وفي تعريف المرض للجنس وفيه ما فيه اللهم الا أن يجعل في كليهما للجنس ويلزم أن عضوا واحدا يجوز أن يكون صحيحا ومريضا إذا كان بعض أفعاله سليما وبعضها غير سليم