يتكلمون في القدر فغضب حتى احمرت وجنتاه وقال انما هلك من كان قبلكم لخوضهم في في هذا عزمت عليكم أن لا تخوضوا فيه أبدا وقال عليه الصلاة والسلام إذا ذكر القدر فامسكوا ولا شك أن النظر جدل فيكون منهيا عنه لا واجبا ( قلنا ذلك ) النهي الوارد في حق الجدل انما هو ( حيث كان ) الجدل ( تعنتا ولجاجا ) بتلفيق الشبهات الفاسدة لترويج الآراء الباطلة ودفع العقائد الحقة وإراءة الباطل في صورة الحق بالتلبيس والتدليس ( كما قال تعالى
وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ
وقال تعالى
بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ
) وقال
( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ )
ومثل هذا الجدال لا نزاع في كونه منهيا عنه ( وأما الجدال بالحق ) لاظهاره وابطال الباطل ( فمأمور به قال اللّه تعالى
وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
وقال تعالى
وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
ومجادلة الرسول صلى اللّه عليه وسلم لابن الزبعرى وعلي للقدرى مشهورة ) روى أنه لما نزل قوله تعالى
إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ
شرح
( قوله يتكلمون في القدر ) أي في مسئلة القدر وهي ان الخير والشر كله بتقديره فقال بعض لو كان الكل بتقديره فيم العقاب وكيف ينسب الفعل إلى العباد وقال آخرون لولا ذلك لزم عجزه تعالى إلى غير ذلك من الشكوك العارضة فيها والوجنة مثلثة الفاء ما ارتفع من الخد ( قوله انما هلك ) أي بنزول العذاب عليهم في الدنيا أو بخروجهم عن الايمان به إلى الجبر والقدر عزمت أقسمت ان لا تخوضوا فيه أبدا فان القدر سر من اسرار اللّه تعالى لا اطلاع لا حد عليه ولا طريق للاحتجاج به فنحن نؤمن به ولا نحتج به كذلك في تخريج المصابيح للشيخ الجزري ومن هذا ظهر ان جدالهم كان بالباطل في غير موقعه لكنهم لا يدرون ذلك ولذا منعهم الرسول وخوفهم ( قوله كان الجدل تعنتا ولجاجا ) في القاموس جادله متعنتا أي طالبا زلته واللجاج الخصومة والمراد كونه كذلك في الواقع علمه الخصم كما في بعض المجادلين أولا كما في هذه القصة فاندفع ما قيل إن هذا الجواب مشعر بأن مكالمتهم كانت تعنتا وحاشاهم عن ذلك وكذلك المراد بقول الشارح الفاسدة والباطلة والحقة والتدليس وهو كتمان عيب السلعة على المشترى ( قولهلِيُدْحِضُوا) أي ليبطلوا ( قوله لابن الزبعرى ) بكسر الزاي وفتح الباء الموحدة وسكون العين المهملة وفتح الراء عبد اللّه
هامش
[ قوله قلنا ذلك النهى الخ ) فيه بحث لان هذا الجواب مشعر بأن نهي الرسول عليه السلام أصحابه عن المكالمة في القدر لأنها كانت تعنتا وحاشاهم عن ذلك اللهم الا ان يكون بينهم من ينافق كابن أبىّ ونظرائه والأظهر ان يقال نهيهم عن ذلك لعدم وصول العقول البشرية إلى كنه المسألة فلا يلزم النهي في جميع المواد