تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح المقاصد — صفحة 238

مساهمون:

ص٢٣٨
فغاية الأمر أنه لا بد في كل اجتماع من رئيس مطاع ، منوط به النظام والانتظام . لكن من أين يلزم عموم رئاسته جميع الناس ، وشمولها أمر الدين على ما هو المعتبر في الإمام ، لأنا نقول : انتظام أمر عموم الناس على وجه يؤدي إلى صلاح الدين والدنيا ، ويفتقر إلى رئاسة عامة فيهما . إذ لو تعدد الرؤساء في الأصقاع والبقاع ، لأدى إلى منازعات ومخاصمات موجبة لاختلال أمر النظام . ولو اقتصرت رئاسته على أمر الدنيا ، لفات انتظام أمر الدين الذي هو المقصود الأهم ، والعمدة العظمى ، وأما الكبرى فبالإجماع عندنا ، وبالضرورة عند القائلين بالوجوب العقلي . واعتراض صاحب تلخيص المحصل بأن بيان الصغرى عقلي من باب القبح والحسن وليس من مذهبكم ، والكبرى أوضح من الصغرى ، فلا حاجة إلى التعرض للإجماع مدفوع بأن كون الشيء صلاحا أو فسادا ليس في شيء من متنازع الحسن والقبح ، وكون دفع الضرر واجبا بمعنى استحقاق تاركه العقاب عند اللّه تعالى ليس بواضح فضلا عن الأوضح . ولا ينبغي أن يخفى مثل هذا عليه . ولا أن يكون الرجل العالم العلمي في هذه الغاية من الشغف بالاعتراض . لا يقال : الإجماع على الوجوب إنما هو إذا لم يتضمن مضرة مثل المضرة المندفعة أو فوتها . وهاهنا نصب الإمام يتضمن مفاسد لا يضبطها العد والإحصاء لما في الآراء من اختلافات الأهواء ، وفي الطباع من الاستنكاف عن تسلط الأكفاء ، والإنسان قليل البقاء على ما عليه من الاهتداء وصلاح الاقتداء فتميل النفوس إلى الإباء والاستعصاء ويظهر الفساد . ويكثر البغي والعناد ويهلك الحرث والنسل « 1 » ويذهب الفرع والأصل . وكفاك شاهدا ما تسمع من قصص انقضاء خلافة عثمان ( رضي اللّه عنه ) إلى ابتداء دولة بني العباس ، لأنا نقول : مضاره بالنسبة إلى منافعه ، ومفاسده بالإضافة إلى مصالحه مما لا يعبأ بكثرته ، ويلحق بالعدم في قلته . فإن قيل : لو وجب نصب الإمام ، لزم إطباق الأمة في أكثر الأعصار على ترك الواجب لانتفاء الإمام المتصف بما يجب من الصفات ، سيما بعد انقضاء الدولة
هامش
( 1 ) قال تعالى :وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ ، وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ. سورة البقرة الآيات 204 ، 205 .