الحَصرِ كَما قالَ جَلَّ شَأنُهُ : « وَ إِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَاتُحْصُوهَا » لكِنَّها ثَمانِيَةُ أنواعٍ ؛ لأِنَّها إمّا دُنيَوِيَّةٌ أو اخرَوِيَّةٌ ، وكُلٌّ مِنهُما إمّا مَوهِبِيٌّ أو كَسبِيٌّ ، وكُلٌّ مِنهُما إمّا روحانِيٌّ ؛ كَتَحلِيَةِ النَّفسِ بِالأَخلاقِ الزَّكِيَّةِ ، أو جِسمانِيٌّ ؛ كَتَزيينِ البَدَنِ بِالهَيئاتِ المَطبوعَةِ ، اخرَوِيٌّ مَوهِبِيٌّ إمّا روحانِيٌّ ؛ كَغُفرانِ ذُنوبِنا مِن غَير سَبقِ تَوبَةٍ ، أو جِسمانِيٌّ ؛ كَالأَنهارِ مِنَ اللَّبَنِ وَالعَسَلِ فِي الجَنَّةِ ، اخرَوِيٌّ كَسبِيٌّ إمّا روحانِيٌّ ؛ كَغُفرانِ الذُّنوبِ بَعدَ التَّوبَةِ ، أو جِسمانِيٌّ ؛ كَالمَلَذّاتِ الجِسمانِيَّة المُتسَجلَبَةِ بِفِعلِ الطّاعاتِ .
3812 . ورَوَى الكَلِبيُّ قالَ : إنَّ آدَمَ وحَوّا لَمّا اهبِطا إلَى الأَرضِ كانا عُريانَينِ ، فَلَمّا رَأَى اللَّهُ تَعالىَ عُريَ آدَمَ وحَوّاءَ أنزَلَ مِنَ الجَنَّةِ ثَمانِيَةَ أزواجٍ : مِنَ الضَّأنِ « 1 » اثنَينِ ، ومِنَ المَعزِ اثنَينِ ، ومِنَ الإِبِلِ اثنَيِن ، ومِنَ البَقَرِ اثنَينِ ، وأمَرَ آدَمَ أن يَأخُذَ صوفَ الكَبشِ ، فَأَخَذَهُ فَغَزَلَتهُ حَوّاءُ ونَسَجَتهُ هِيَ وآدَمُ ، فَجَعَلَ مِنهُ آدمُ جُبَّةً لِنَفسِه ، وجَعَلَ لِحَوّاءَ دِرعاً وخِماراً ، فَلَبِساهُ ، وجاءَ جَبرَئيلُ بِحَبّاتٍ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتي أكَلَ مِنها وعَلَّمَهُ الزَّرعَ وَالحِرَفَ « 2 » كُلَّها وقالَ : يا آدَمُ ، لا تَأكُل خُبزاً بِزَيتٍ إلّابِعَرَقِ الجَبينِ .
فَيَنبَغي لِوُلدِهِ أن يَتَعَلَّمُوا الحِرَفَ لِيَستَغنوا بِها عَنِ الطَّمَعِ وأكلِ أموالِ النّاسِ . نَسأَلُ اللَّهُ أن يُغنِيَنا بِفَضلِه وجودِهِ ، و أن يُلهِمَنَا التَّوَكُّلَ عَلَيه وتَفويضَ أمرِنا إلَيه .
3813 . قالَ الشّاعِرُ :
رَضيتُ بِما قَسَمَ اللَّهُ لي * وفَوَّضتُ أمري إلى خالِقي
لَقَد أحسَنَ اللَّهُ فيما مَضىَ * كَذلِكَ يُحسِنُ فيما بَقِي « 3 »
هامش
( 1 ) . الضأن : هو خلاف المعز من ذوات الصوف من الغنم ( مجمع البحرين : 3 / 3 ) .
( 2 ) . الحرف : جمع الحرفة ؛ أي الصناعة وجهةُ الكسب ( النهاية : 1 / 355 ) .
( 3 ) . مصباح الشريعة ، ص 175 .