تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ العددية — صفحة 18

مساهمون:

ص١٨
وقالَ : يا أخَا العَرَبِ ! عِلَّةُ النَّفسِ تُعرَضُ عَلَى الطَّبيبِ ، وعِلَّةُ الفَقرِ تُعرَضُ عَلَى الكَريمِ ، وعِلَّةُ الجَهلِ تُعرَضُ عَلَى العالِمِ ، فَقالَ الأَعرابِيُّ : يا أميرَ المُؤمِنينَ ! أنتَ الطَّبيبُ ، وأنتَ الكَريمُ ، وأنَت العالِمُ . فَأَمَرَ أميرُ المُؤمِنينَ عليه السلام بِأَن يُعطى لَهُ مِن بَيتِ المالِ ثَلاثَةَ آلافِ دِرهَمٍ ، وقالَ : تُنفِقُ ألفاً بِعِلَّةِ النَّفسِ ، وألفاً بِعِلَّةِ الفَقرِ ، وألفاً بِعِلَّةِ الجَهلِ . « 1 » 2934 . ورُوِيَ عَن عَلِيٍّ عليه السلام أنَّهُ دَعاهُ رَجُلٌ ، فَقالَ لَهُ : عَلى أن تَضمَنَ لي ثَلاثَ خِصالٍ ، قالَ : و ما هِيَ يا أميرَالمُؤمِنينَ ؟ قالَ : لاتُدخِل عَلَينا شَيئاً مِن خارِجٍ ، ولا تَدَّخِر « 2 » عَنّا شَيئاً فِي البَيتِ ، ولا تَجحَف « 3 » بِالعِيالِ . قالَ : ذلِكَ لَكَ . فَأَجابَهُ عَلِيُّ بنُ أبي طالِبٍ عليه السلام . « 4 » 2935 . ورَوى ابنُ بابَويهِ في أماليهِ حَديثاً طَويلًا نَقَلتُ مِنهُ ما يُناسِبُ هذَا البابَ : قالَ عَلِيٌّ عليه السلام : سَلوني قَبلَ أن تَفقِدوني ، فَقامَ إلَيه رَجُلٌ مِن أقصَى المَسجِدِ مُتَوَكِّياً عَلى عُكّازِهِ ، فَلَم يَزَل يَتَخَطَّى النّاسَ حَتّى دَنا مِنهُ ، فَقالَ : أي أميرَ المُؤمِنينَ ! دُلَّني عَلى عَمَلٍ إذا أنَا عَمِلتُهُ نَجّانِي اللَّهُ مِنَ النّارِ . فَقالَ لَهُ : اسمَع يا هذا ثُمَّ افهَم ، ثُمَّ استَيقِن : قامَتِ الدُّنيا بِثَلاثَةٍ : بِعالِمٍ ناطِقٍ مُستَعمِلٍ لِعِلمِه ، وبِغَنِيٍّ لايَبخَلُ بِمالِه على أهلِ دينِ اللَّهِ عز و جل ، وبِفَقيرٍ صابِرٍ ؛ فَإِذا كَتَمَ العالِمُ عِلمَهُ ، وبَخِلَ الغَنِيُّ ، ولَم يَصبِرِ الفَقيرُ ، فَعِندَهَا الوَيلُ وَالثُّبورُ ، « 5 » وعِندَها يَعرِفُ العارِفونَ بِاللَّهِ أنَّ الدّارَ قَد رَجَعَت إلى بَدئِها ؛ أي إلى الكُفرِ بَعدَ الإيمانِ . أيُّهَا السّائِلُ ! فَلا تَغتَرَّنَّ بِكَثرَةِ المَساجِدِ ، وجَماعَةِ أقوامٍ أجسادُهُم مُجتَمِعَةٌ وقُلوبُهُم شَتّى . أيُّهَا النّاسُ ! إنَّمَا النّاسُ ثَلاثَةٌ : زاهِدٌ ، وراغِبٌ ، وصابِرٌ ؛ فَأَمَّا الزّاهِدُ فَلا يَفرَحُ بِشَيءٍ مِنَ الدُّنيا أتاهُ ، ولا يَحزَنُ عَلى شَيءٍ مِنها فاتَهُ . وأمَّا الصّابِرُ فَيَتَمَنّاها بِقَلبِه ، فَإِن أدرَكَ مِنها شَيئاً صَرَفَ عَنها نَفسَهُ لِما يَعلَمُ مِن سوءِ عاقِبَتِها . وأمَّا الرّاغِبُ فَلا يُبالي مِن حِلٍّ أصابَها أم مِن حَرامٍ . قالَ : يا أميرَ المُؤمِنينَ ! فَما عَلامَةُ المُؤمِنِ في ذلِكَ الزَّمانِ ؟
هامش
( 1 ) . جامع الأخبار ، ص 138 . ( 2 ) . أيلا تمنعنا ممّا في البيت ، وهو افتعال من ذخر . ( 3 ) . أجحفت بهم الفاقة : أي أفقرتهم الحاجة وأذهبت أموالَهم ( النهاية : 1 / 234 ) . ( 4 ) . الخصال ، ص 189 ، ح 260 . ( 5 ) . الثَّبور : الهلاكُ والخُسرانُ ( مختار الصحاح : 85 ) .