أما هذا اللهو والغناء فهو غذاء النفوس المريضة الأمارة بالسوء ، ولكن القرآن هو قوت القلوب ، ولا يمكن أن يستوي القوتان . ولهذا ترى الغناء هو نصيب أهل النقص القريبين من درجة العجماوات من الجهال والغلمان والنسوان وترى أشدهم تعلقا به ولذة فيه أقلهم حظا من العقل السليم فاسأل به خبيرا . وأين لذة الفساق والمجان من لذة الأبرار في العقل والقرآن .
فصل في أنهار الجنة
أنهارها في غير أخدود جرت * سبحان ممسكها عن الفيضان
من تحتهم تجري كما شاءوا مفج * رة وما للنهر من نقصان
عسل مصفى ثم ماء ثم خم * ر ثم أنهار من الألبان
واللّه ما تلك المواد كهذه * لكن هما في اللفظ مجتمعان
هذا وبينهما يسير تشابه * وهو اشتراك قام بالأذهان
الشرح : يعني أن أنهار الجنة تجري على وجه الأرض في غير أخاديد ، وأما قوله تعالى :
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
[ البقرة : 25 ] فالمراد أنها تجري تحت غرفهم وقصورهم وبساتينهم ، واللّه سبحانه يمسكها أن تفيض على الجانبين ، وهي أنهار مطردة دائمة الجريان لا يطرأ لها غيض ولا نقصان ، وتتفجر لهم كما شاءوا وأينما كانوا ، كما قال تعالى :
عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً
[ الإنسان : 6 ] .
وهي أنهار تجري بأنواع مختلفة من الأشربة ، كما قال تعالى :
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى
[ محمد : 15 ] وليست هذه الأشربة كالمعهود منها في الدنيا ، بل بينها من التفاوت في الطعم والشكل ما لا يعلمه إلا اللّه ، ولا اشتراك بينها إلا في اللفظ ، كما قال ابن