تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية — صفحة 290

مساهمون:

ص٢٩٠
مثل السؤال بما ، مع أنهما شيئان مختلفان ، فا « ما » يسأل بها عن الحقيقة ، وأما أين فيسأل بها عن المكان . وكذلك أتى الرسل عليهم السلام بالبيان الواضح الصريح ، ولكنكم تقولون أنهم عمدوا إلى الألغاز والتعمية ولم يبينوا الحق الذي يجب على الناس اعتقاده . فأين يا قوم الألغاز من البيان ، وهل هما إلا ضدان لا يجتمعان . إن الألغاز في الكلام لا يتم إلا بأمرين : أحدهما أن لا يقصد من اللفظ معناه الذي يدل عليه بوضع اللغة ، وثانيهما أن يكون المقصود من اللفظ مما لا يفهم من اللفظ عند إطلاقه ، فهذا هو الألغاز الذي يعرفه الناس ، فهل كلام الرسل كذلك ؟ يا قوم ألا تستحيون من وصف كلام الرسل الذين بعثوا للبيان بالأحاجي والألغاز ، وهم أعرف منكم بالحق الذي يدعون إليه ، وأتم نصحا للخلق وإرشادا لهم وشفقة عليهم ، وأقدر منكم على البيان والأداء لما يريدونه من معان ، فهل ترونهم قد ألغزوا في التوحيد وقصروا في بيانه حتى جئتم أنتم فبينتموه ؟ أم ترونهم قد أظهروا التشبيه الذي هو عندكم قرين عبادة الأوثان ، حتى جئتم أنتم فدللتم الناس على التنزيه . فإذا كان الحق هو ما قلتم أنتم ، فلأي شيء لم يقولوا هم بمثل ما قلتم في حق اللّه عز وجل . ولأي شيء صرحوا هم بخلاف ما قلتم تصريحا مفصلا لا كتمان فيه ولا إجمال ولا اشتباه . بل ولأي شيء بالغوا في الإثبات الذي هو عندكم تجسيم وتشبيه ، كما بالغتم أنتم في النفي والتعطيل بحجة التنزيه .
ولأي شيء أنتم بالغتم * في النفي والتعطيل بالقفزان فجعلتم نفي الصفات مفصلا * تفصيل نفي العيب والنقصان
شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية — صفحة 290 | ابن قيم الجوزية / محمد خليل هراس