هذه هي دعوة الرسل كلهم وهي صريحة في إثبات الصفات ، وأما أنتم فعلى النقيض من ذلك ، جئتمونا بالنفي والتعطيل ، والإلحاد والتأويل ، بل وزدتم على ذلك أنكم تشهدون بالكفر على من يثبت الصفات ويثبت للّه العلو فوق جميع المخلوقات ، ويثبت له النداء بحروف وأصوات ، فالرسل يشهدون بالإيمان لمن أقرّ بعلوه سبحانه فوق جميع الأكوان ، ولكنكم أنتم تشهدون عليه بالكفران يا أمة الظلم والعدوان .
وأتى بأين اللّه اقرارا ونط * قا قلتم هذا من البهتان
فسلوا لنا بالأين مثل سؤالنا * ما الكون عندكم هما شيئان
وكذا أتونا بالبيان فقلتم * باللغز أين اللغز من تبيان
إذ كان مدلول الكلام ووضعه * لم يقصدوه بنطقهم بلسان
والقصد منه غير مفهوم به * ما اللغز عند الناس إلا ذان
يا قوم رسل اللّه أعرف منكم * وأتم نصحا في كمال بيان
أترونهم قد ألغزوا التوحيد إذ * بينتموه يا أولي العرفان
أترونهم قد أظهروا التشبيه وه * ولديكم كعبادة الأوثان
ولأي شيء صرحوا بخلافه * تصريح تفصيل بلا كتمان
ولأي شيء بالغوا في الوصف با * لإثبات دون النفي كل زمان
الشرح : وأتى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بلفظ الأين الذي يسأل به عن المكان مرة إقرارا حيث أقر السائل الذي قال له ( أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض ) ؟ ومرة نطقا حيث سأل الجارية التي أراد سيدها أن يعتقها بقوله « أين اللّه ؟ » . ولكنكم أنتم تجعلون السؤال بالأين كذب وبهتان ، لأنه إثبات للمكان ، وتقولون أن معنى قوله « أين اللّه » في الحديث ( ما اللّه ) فتجعلون السؤال بالأين