تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
والقابض والباسط والمانع والمعطي ونحوها ، فهو سبحانه المقدم لبعض الأشياء على بعض ، إما تقديما كونيا كتقديم بعض المخلوقات في الوجود على بعض وكتقديم الأسباب على مسبباتها والشروط على مشروطاتها ، وإما تقديما شرعيا معنويا كتفضيل الأنبياء عليهم السلام على سائر البشر وتفضيل بعض النبيين على بعض ، وتفضيل العباد كذلك بعضهم على بعض وهو سبحانه المؤخر لبعض الأشياء عن بعض أما بالزمان أو بالشرع كذلك . والتقديم والتأخير صفتان من صفات الأفعال التابعة لمشيئته تعالى وحكمته وهما أيضا صفتان للذات إذ قيامهما بالذات لا بغيرها ، وهكذا كل صفات الأفعال هي من هذا الوجه صفات ذات حيث أن الذات متصفة بها ، ومن حيث تعلقها بما ينشأ عنها من الأقوال والأفعال تسمى صفات أفعال . ولهذا غلط علماء الكلام من الأشاعرة حين ظنوا أن هناك نوعين مختلفين من الصفات أحدهما قائم بالذات لازم لها ، كصفات المعاني السبعة التي هي العلم والقدرة والإرادة والحياة والسمع والبصر والكلام ، والثاني صفات أفعال لا تقوم عندهم بالذات ، بل هي نسب إضافية عدمية تنشأ من إضافة المفعول لفاعله ، ولا يعقل لها وجود إلا بتلك الإضافة فوجودها أمر سلبي ، وليس لها وجود في نفسها ، فليس ثمت عندهم موجود الا المفعولات ، وأما الأفعال فنسب وإضافات . وهذا قول باطل مخالف كما قدمنا لما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف ، بل والعقل أيضا الذي يقضي بأن تكون صفات الأفعال قائمة بمن فعلها ، ويكون متصفا بها من قالها أو عملها ، إذ لا يتصور في العقل مفعول من غير فعل ، ولا مخلوق من غير خالق ، كما لا يتصور أحد اسما مشتقا ولا يكون دالا على صفة في المحل المسمى به . والذي أوقعهم في هذا الغلط الشنيع أن صفات الأفعال عندهم لا تكون إلا حادثة لتعلقها بالمفعولات الحادثة ، فيستحيل عندهم قيامها بذاته تعالى ، لأن قيام
شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية — صفحة 120 | ابن قيم الجوزية / محمد خليل هراس