وكل كلام في الوجود كلامه * سواء علينا نثره ونظامه
وحسبك من مذهب قبحا وشناعة أن يجعل اللّه عز وجل هو المتكلم بكلام سائر الخلق من جن وأنس وغيرهما ، مع اشتمال هذا الكلام على أنواع من القبائح والمنكرات لا يعقل صدورها عن الحق جل شأنه ، كالزور والكذب ، والشتم والسب ، وقذف المحصنات ، وأنواع الأغاني بما فيها من فحش وخلاعة ، والنياحة ورقي السحر وتعازيمه ، وما إلى ذلك من البهتان والهذيان ، فيقول عاقل أن هذا الكلام الباطل صادر عن اللّه ؟ وهو الذي لا يأمر بالفحشاء ، وهو الذي تمت كلماته صدقا وعدلا لا مبدلا لكلامه ، وهو الذي قوله الحق وله الملك ، ولكن هؤلاء الزنادقة من الاتحادية يلزمهم أن يقولوا ذلك بناء على أصلهم الخبيث الذي أقاموا عليه بناءهم المكسح المنهار .
إذ أصلهم أن الاله حقيقة * عين الوجود وعين ذي الأكوان
فكلامها وصفاتها هو قوله * وصفاته ما هاهنا قولان
وكذاك قالوا أنه الموصوف بالض * دين من قبح ومن إحسان
وكذلك قد وصفوه أيضا بالكما * ل وضده من سائر النقصان
هذي مقالات الطوائف كلها * حملت أليك رخيصة الأثمان
وأظن لو فتشت كتب الناس ما * ألفيتها أبدا بذا التبيان
زفت أليك فإن يكن لك ناظر * أبصرت ذات الحسن والاحسان
الشرح : يعني أن الأصل والمبدأ الذي اتفق عليه هؤلاء الاتحادية والذي بنوا عليه كل شناعاتهم أن الاله في الحقيقة هو عين هذا الوجود الظاهر ، وهو عين هذه الأكوان المخلوقة ، وحينئذ فيكون كلام هذه المخلوقات وصفاتها هي عين كلامه وصفاته ، إذ كانت هي عينه ، ويكون كذلك هو نفسه الموصوف بالضدين حين يقال هذا حسن وهذا قبيح ، إذ ليس ثمة غيره ، ويكون أيضا هو الموصوف بالكمال وضده وهو النقص ، لأنه عين الموصوف بكل منهما ، فهو