تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
تنزيل رب العالمين وقوله * اللفظ والمعنى بلا روغان
الشرح : هذا بيان لمذهب أهل السنة والجماعة في صفة كلام الرب جل شأنه فاللّه عندهم لم يزل متكلما ، لأن الكلام صفة كمال ، ومن يتكلم من المخلوقين أكمل ممن لا يتكلم ، واللّه لم يزل ولا يزال متصفا بصفات الكمال كلها ومنها الكلام ، والكلام من صفات الأفعال التابعة لمشيئته وارادته ، فهو يتكلم متى شاء وكيف شاء ، فهو من الأفعال الاختيارية التابعة لمشيئته وحكمته . وهو سبحانه يتكلم بحروف وأصوات يسمعها من يكلمه كما كلم موسى عليه السلام عند مجيئه للميقات وناداه من جانب الطور الأيمن وقربه نجيا ، وكما يكلم عباده المؤمنين يوم القيامة ويسلم عليهم ويبشرهم برحمة منه ورضوان ، وقد تمت كلماته سبحانه وأحكمت ، صدقا في اخباره وعدلا في أحكامه ، لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم . والدليل على أن الكلام المسموع المتلو صفة للّه غير مخلوق أن الرسول صلوات اللّه وسلامه عليه وآله استعاذ بكلمات اللّه من شر ما خلق ، ومعلوم أنه لا يجوز الاستعاذة بالمخلوق ، بل لا يستعاذ الا بأسمائه تعالى وصفاته . والقرآن كذلك عين كلامه المسموع منه على الحقيقة ، فقد تكلم اللّه به بألفاظه ومعانيه بصوت نفسه وسمعه منه جبريل عليه السلام وبلغه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كما سمعه . وهو كله قول اللّه وكلامه غير مخلوق ، لا فرق بين لفظه ومعناه ، خلافا لمن زعم أن المعنى قديم يرجع إلى صفة قديمة وأن اللفظ حادث مخلوق . فالقرآن كله تنزيل رب العالمين وقوله . ولا شك أن المنزل هو كلام اللّه وليس هو الفاظا فقط دون معان ، ولا هو معان بلا ألفاظ ، بل هو ألفاظ دالة على معانيها ، فهو كلام اللّه المنزل من عنده بألفاظه ومعانيه ، فتخصيص المعنى دون اللفظ بالقدم ، وكونه غير مخلوق روغان عن الحق ومكابرة للدليل .