تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
بل يستوي في علمه الداني مع ال * قاصي وذو الأسرار والاعلان وهو العليم بما يكون غدا وما * قد كان والمعلوم في ذا الآن وبكل شيء لم يكن لو كان كي * ف يكون موجودا لذي الأعيان
الشرح : يعتقد أهل السنة والجماعة بأن اللّه سميع يسمع ، هو صفة له قائمة بذاته ، وأنه كذلك بصير ببصر زائد على ذاته ، فالسمع والبصر صفتان ثابتتان له سبحانه لا كما تزعم الجهمية نفاة الأسماء ، من كونه ليس سميعا ولا بصيرا ، ولا كما تزعم المعتزلة من كونه سميعا بذاته لا يسمع ، وبصيرا بذاته لا يبصر ، فإن نفي الأسماء تكذيب بصريح القرآن ، وهو كفر ، واثبات الموصوف بدون الصفة أو ادعاء أن الصفة عين الموصوف سفسطة . ويعتقد أهل السنة كذلك أن سمع اللّه يتعلق بكل مسموع مهما دق وخفت ، وأن بصره يتعلق بكل مرئي مهما لطف لا يؤثر فيهما بعد مسافة ، ولا يمنعهما حجب وأستار ، فهو سبحانه مع كونه فوق عرشه عاليا على خلقه يرى أصغر مخلوقاته وهي النملة ويسمع دبيبها على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء ، ويرى تحرك أجفان خلقه في أغماضها وفتحها ، ويسمع كذلك ضجيج أصوات عباده ويميز بينها فلا تتشابه الأصوات عنده ولا تغلطه كثرة المسائل ولا يشغله شأن عن شأن . ويعتقدون أن اللّه عليم بعلم كما قال تعالى :
أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ
[ النساء : 166 ] وكما قال :
وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ
[ البقرة : 255 ] وأن علمه متعلق بكل ما من شأنه أن يعلم لا يعزب عنه من ذلك شيء ، فهو يعلم ما يحدث به المرء نفسه ، وما يرد على خاطره من الهواجس وان لم يحرك به لسانه ، ويستوي في علمه ما قرب وما بعد ، وما أسر وما أعلن كما قال تعالى :
سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ ، وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ
[ الرعد : 10 ] بل يستوي في علمه الماضي والحاضر والمستقبل فهو يعلم ما سيكون مستقبلا ، كما يعلم ما قد كان في الماضي ، وكما يعلم ما هو كائن الآن ، فالأشياء كلها حاضرة لديه ، وهو يعلم الكيفيات التي ستكون عليها الأشياء
شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية — صفحة 101 | ابن قيم الجوزية / محمد خليل هراس