[ 101 ] الرّحمن :
اعلم إنّك قد عرفت إنّ أوّل ما خلق اللّه هو نور محمّد صلى اللّه عليه وآله وسلّم وإنّه خلق مطلقا ، ثمّ باعتبار حجاباته يسمّى بأسماء لا تحصى ، ومن حجاباته اعتبار أنّه مادّة ومبدأ لكلّ موجود وأصل للقرابة بين جميع أصناف الخلق وبين محمّد وآله الطاهرين صلّى اللّه عليهم وسلّم . ولذلك سمّاه اللّه تعالى رحمة للعالمين ، في قوله تعالى :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
[ 21 / 107 ] .
وأمر بمواصلتهم وحذّر عن قطعهم ، في قوله :
وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ
[ 13 / 21 ] إلى قوله :
وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ
[ الرعد : 13 / 25 ] .
وعرض ولايتهم على جميع خلقه ، وأخذ ميثاق ولايتهم بعد أخذ ميثاق ربوبيّته .
فحقيقة الرحمة هو نور محمّد صلى اللّه عليه وآله وسلّم باعتبار أنّه مبدأ كلّ شيء ، وسبب القرابة بين كلّ موجود وبين آله ؛ ولازمه الرقّة والمغفرة والتعطّف ؛ فحقيقة الرحمة هو عالم الوجود باعتبار سعته لكلّ موجود ، ولذا قال :
وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ
[ 7 / 156 ] فباعتبار إحاطته بمادّة كلّ موجود - إحاطة البحر بقطرات غير متناهية - استوى على كلّ شيء ممّا جلّ ودقّ ، ويسمّى بهذا الاعتبار رحمانا .
ولذا قال :
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
[ 20 / 5 ] يعني استوى علمه وقدرته وسائر صفاته على كلّ شيء ، « ليس شيء أقرب إليه من شيء » « 1 » ، لانّه مادّة كلّ شيء ، ولم يقل : « اللّه على العرش استوى » ، لأنّ « اللّه » اسم
هامش
( 1 ) التوحيد : 315 ، باب معنى قوله تعالىالرَّحْمنُ . . ..