[ قدم علم اللّه وحدوث الأشياء ]
فإن قلت : فعلى هذا يلزم أن لا تكون الأشياء بأعيانها منكشفة له تعالى ، بل بعد حدوثها شيء فشئ .
قلت أوّلا : إنّ الخلق الأوّل - الذي هو مظهر لتمام ما كان الذات بما هو كافيا عنه - محيط بتمام التعيّنات - موادّها وصورها - إحاطة البحر لقطرات غير متناهية ، بحيث لا يمكن إثباتها في البحر ولا نفيها عنه ؛ فعلمه بها أزليّ ، بل قبل خلق العلّة الأولى ، لأنّها مظهر لما كان الذات بما هو كافيا عنه ، من العلم وغيره - كما عرفت - .
نعم تمييز المعلومات وتعيينها - الذي هو الفعل وإيقاع الصفة - حادث ، وليس أفعال اللّه تعالى - باتّفاق تمام الأديان - قديمة ؛ بل لا يمكن أن يقال :
« إنّها قديمة » ، لملازمة قدمها مع قدم الأشياء ، وهو خلاف الضرورة من كلّ دين .
فإن قلت : لا يلزم من إيقاع صفة العلم على المعلومات قدم المعلومات ، لانّ علم اللّه تعالى لإحاطته بجميع الأشياء لا يتفاوت فيه الماضي والحال والاستقبال ، بل بالنسبة إليه تعالى حال كلّها ، فهو محيط بها بجزئيّاتها وكليّاتها ، ومميّزة عنده في علمه تعالى ، وإن كان ظهورها في الأعيان حادثا مؤجّلا ، فيمكن الجمع بين قدم العلم - بمعنى إيقاع الصفة على المتعلّق - وبين حدوث المعلومات .
أقول : أوّلا قد عرفت الفرق بين صفة العلم وإيقاعه على المتعلّق ، وأنّه مع إحاطته بتمام المتعلّقات غير مستلزم لوجود المتعلّق ، وأنّ إيقاعه مستلزم لوجوده ، وأنّ العلم صفة وإيقاعه على المتعلّق فعل ؛ والذي لا يتفاوت فيه الماضي والحال والاستقبال هو الصفة ، لا الفعل وإيقاع الصفة على المتعلّق الّذي