ويهيئ مصالحهم من حيث لا يحتسبون ، ومنه قوله :
« اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ »
واحتج من فسر اللطيف بهذا التفسير ، بأن قال : حمله عليه أولى من حمله على العلم ، بدليل قوله
« أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ »
، ولا شك أن الخبير هو العالم ، فلو كان اللطيف أيضا عبارة عن العالم لزم التكرار ، وهو غير جائز .
ورابعها : ما ذكره الغزالي فقال : هذا الاسم إنما يستحقه من يعلم حقائق المصالح وغوامضها ، ثم يسلك في إيصالها إلى مستحقها سبيل الرفق دون العنف ، فإذا اجتمع هذا العلم وهذا العمل ثم معنى اللطف ؛ ثم لا يتصور كمال هذا العلم إلا للّه سبحانه وتعالى ، أما علمه بالغوامض والخفايا فلا شك فيه ، فإن الخفي والجلى بالنسبة إليه في العلم سيان ، وأما رفقه في الأفعال ، ولطفه فيها ، فلا يدخل تحت الحصر .
وهاهنا : نذكر دقائق حكمة اللّه تعالى في خلق السماوات ، والكواكب ، والعناصر ، والإنسان ، وسائر الحيوانات ، والنبات ، ثم قال بل لو أردنا أن نذكر لطفه في تفسير لقمة يتناولها العبد من غير كلفة يتجشمها ، لعجزنا عنه ، فإنه قد تعاون على إصلاح تلك اللقمة خلق لا يحصى عددهم ، من مصلح الأرض ، وزارعها ، وساقيها ، وحامل حبها ، ومنقيها ، وطاحنها ، وعاجنها ، إلى غير ذلك .
فهو سبحانه وتعالى من حيث دبر الأمور حكيم ومن حيث أوجدها جواد ، ومن حيث رتبها مصور ، ومن حيث وضع كل شيء في موضعه عدل ، ومن حيث لم يترك فيها دقائق وجوه اللطف والرفق لطيف ، ولن يعرف حقيقة هذه الأسماء البتة من لم يعرف حقيقة هذه الأفعال .
ومن لطفه بعباده . أنه أعطاهم فوق الكفاية ، وكلفهم دون الطاقة ، وسهل عليهم الوصول إلى سعادة الأبد بسعى خفيف في مدة قصيرة وهي العمر ، فإنه لا نسبة له البتة إلى دوام الأبد .