تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شبهات حول القرآن وتفنيدها — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
أن يغشّى جلائل أسراره بأستار لا تخلو من متعة ، وجمال ؛ ليكون ذلك من عوامل حفظها ، وبقائها بتنافس المتنافسين فيها ، وحرصهم عليها . أنظر كيف جعل باعثة الغذاء ، ورابطة المحبة قواما لبقاء الإنسان فردا ، وجماعة . فكذلك لمّا سبقت كلمته أن يصون علينا نفائس العلوم التي أودعها هذا الكتاب الكريم ، قضت حكمته أن يختار لها صوانا يحببها إلى النّاس بعذوبته ، ويغريهم عليها بطلاوته ، ويكون بمنزلة « الحداء » يستحث النفوس على السير إليها . ويهوّن عليها وعثاء السفر في طلب كمالها . لا جرم اصطفى لها من هذا اللسان العربي المبين ذلك القالب العذب الجميل . ومن أجل ذلك سيبقى صوت القرآن أبدا في أفواه النّاس وآذانهم ما دامت فيهم حاسة تذوق ، وحاسة تسمع ؛ وإن لم يكن لأكثرهم قلوب يفقهون بها حقيقة سرّه ، وينفذون بها إلى بعيد غوره
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
« 1 » . هل عرفت أن نظم القرآن الكريم يجمع إلى الجمال عزّة ، وغرابة ؟ وهل عرفت أن هذا الجمال كان قوة إلهية حفظ بها القرآن من الفقد والضياع ؟ فاعرف الآن أنّ هذه الغرابة كانت قوة أخرى قامت بها حجة القرآن في التحدي ، والإعجاز ؛ واعتصم بها من أيدي المعارضين ، والمبدّلين ؛ وأن ذلك الجمال ما كان ليكفي وحده في كفّ أيديهم عنه ؛ بل كان أجدر أن يغريهم به . ذلك أنّ النّاس - كما يقول الباقلاني « 2 » : - إذا استحسنوا شيئا اتّبعوه ، وتنافسوا في محاكاته بباعث الجبلّة . وكذلك رأينا أصحاب هذه الصناعة يتبع بعضهم بعضا فيما يستجيدونه من الأساليب ، وربما أدرك اللاحق فيهم شأو السابق أو أربى عليه ، كما صنع ابن العميد بأسلوب الجاحظ ، وكما يصنع الكتاب ، والخطباء اليوم في اقتداء بعضهم ببعض . وما أساليب النّاس على اختلاف طرائقها في النثر والشعر إلّا
هامش
( 1 ) سورة الحجر » الآية 9 . ( 2 ) في كتابه « إعجاز القرآن » .
شبهات حول القرآن وتفنيدها — صفحة 219 | غازي عناية