تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشامل في أصول الدين — صفحة 397

مساهمون:

ص٣٩٧

فصل [ اختصاص حكم العلة بمحلها ]

ربما تتصل أطراف الكلام في العلل باختصاص حكم العلة بمحلها . ونحن نرى أن نذكر ما يقع به الاستدلال . اعلموا أن من نفى الحال من أصحابنا ، لم يحتج إلى الخوض في هذه المسألة ، إذ لا معنى لكون العالم عالما عنده أكثر من قيام العلم به ، ولا يقدر له حالا فنتكلم في تعديه عن محله إلى الجملة أو اختصاصه بمحله . وأما من قال بالأحوال ، فقد اختلفوا في أن الأوصاف الموجبة للأحوال إذا قامت بمحالها ، هل تختص أحكامها بمحالها أم تثبت للجملة التي المحال منها . فذهب المعتزلة أجمعون إلى أن كل وصف شرط في ثبوته الحياة ، فحاله لا يختص بمحله ، بل تثبت الجملة نحو العلم والقدرة والإرادة وما ضاهاها . وكل وصف لا تشترط في ثبوته الحياة ، وكان موجبا للحال ، فيختص حاله بمحله ، والأكوان بجملتها من هذا القبيل . وقال من حقق منهم : إن الحياة في هذا الحكم كالأكوان . وإذا قام بجزء من الحي حياة ، فالحيّ بتلك الحياة ذلك الجزء ، ولا يتعدى حكم الحياة محالها . وإذا اتصفت الجملة بالحياة ، فقد قام بكل جزء حياة ، وهذا على طرد ما قدموه . فإنهم عدوا الحال فيما تشترط في ثبوته الحياة ، والحياة لا تشترط فيها الحياة ، فشابهت الأكوان لذلك . ونحن إذا قلنا بالأحوال فنقطع بأن الأحوال الموجبة عن العلل تختص بمحال العلل . فإذا قام جزء من العلم بجزء من القلب ، فالعالم ذلك الجزء . ويجوز أن يقوم بجزء من القلب جهل . فالذي قام بالجزء لم يقم العلم به . وقالت المعتزلة : إذا قام بجزء من القلب علم ، فلا يجوز أن يقوم بجزء آخر من الجملة جهل بمتعلق ذلك العلم . وإنما امتنعوا من ذلك لمصيرهم إلى صرف الحكم إلى الجملة . ولو جوزوا ما قلناه ، للزمهم وصف الجملة بكونها عالمة جاهلة بشيء واحد . ويستلزمهم ذلك بحيث لا يجدون عنه مهربا . فالدليل على ما صرنا إليه أن نقول : العلم إنما يوجب الحكم لما له به اختصاص إذ لو لم يراع ذلك لزمنا أن نحكم بأن العلم الواحد يوجب كون جملة الجواهر عالمة من غير أن يختص حكمه بالمحل الذي اختص به . ثم يلزم من ذلك أن يعم اقتضاء الجهل أيضا الحكم لجملة الجواهر . ويلزم من ذلك تناقض الأحكام وتضادها . وهذا معلوم بطلانه ضرورة ، فوضح أنه لا بد من تقدير اختصاص بين العلة وبين حالة الحكم منها ، وإذا تقرر ذلك ، لم يخل الاختصاص : إما أن يكون راجعا إلى قيام العلة