فإن رام الخصم أن يجعل تعلق العلم هو المعرفة دون ذوات العلم ، فلا معنى له . فإن تعلق العلم ليس بوصف زائد على نفسه ، وليس بحال ، وإن قلنا بالأحوال . ولو قدر حال فالحال يعلّل ، ولا يعلل به ، على ما سنوضحه بعد إن شاء اللّه .
والوجه الثاني في دفع السؤال إنما يلزم كون الباري تعالى عالما بهذا الحكم من حيث هذا الحكم ، وإنما لزم ذلك لوجوب تعلق العلم القديم بكل معلوم . وهذا واضح لكل متأمل .
فإن قال قائل : معولكم على وجوب انتفاء هذا الحكم عند انتفاء العلم ، وعلى ادعاء كون وجوب الاقتران زائدا على الاطراد ، فبم تنكرون على من يزعم أن هذا الحكم يثبت من غير علم ؟
قلنا : هل تسلمون لنا وجوب ثبوت هذا الحكم عند ثبوت العلم ؟ فإن منعوا ذلك باهتوا ، وإن اعترفوا به ، فقد اعترفوا بالطرد لزوما . والاعتراف بالطرد يلزم الاعتراف بالعكس ، كما قررناه في الفصل الذي تقدم .
فإن قال قائل : بم تنكرون على من يزعم أن العلم إذا ثبت ، ثبت معه معنى آخر . وهو الموجب للحكم والعلم شرط فيه ، وإنما لزم مقارنة العلم للحكم من حيث كان شرطا في موجبه ، كما تقارن الحياة حكم القدرة وإن لم تكن علة فيه ؟
وقد انفصل القاضي عن ذلك بأوجه : أحدها أن قال : مقصدنا أن تثبتوا معللا بعلة منوطا بها إيجابا واقتضاء . وقد ثبت ذلك وآل الكلام إلى أنا نسمي تلك العلة علما ، وأنتم تأبون تسميتها ، وهذا سهل المرام .
على أن نقول : هذا الذي ذكرتموه باب من الجهالة لا يسلم عن المقابلات التي لا انفصال عنها . فإنا لو قدرنا علما وجعلنا الموجب غيره ، وقدرنا العلم شرطا فيه ، فلا نسلم ممن يجعل العلة معنى ثالثا ويجعل المعنى الذي قدرتموه علة شرطا . ثم يتجه مثل هذا الكلام في الرابع فصاعدا ، ويفضي إلى التسلسل .
ثم نقول : لو تدبر السائل ما قدمناه من الكلام ، لا يكتفي به . فإنا قلنا : يستحيل ثبوت العلم دون كون المحل عالما ، ولو كان العلم شرطا لما استحال وجوده دون وجود مشروطه قياسا على جملة الشرائط . إذ الحياة لما كانت شرطا في العلم ، لم يستحل ثبوتها دون العلم المشروط بها . فقد انحسمت الأسئلة ووضح الحق .
الشامل في أصول الدين — صفحة 396
مساهمون: عبد الملك الجويني
ص٣٩٦