نذكر [ ها ] ونتتبعها بالنقض ، ثم نذكر ما عول عليه القاضي .
فمما ذكره الأستاذ أن قال : مهما اطردت العلة وانعكست ، ولم يفسد كونها علة قضية من قضايا العقل ، فيعلم عند ذلك صحة العلة . وقدر ذلك في خلل كلامه بأن قال : إذا فسدت سائر الأقسام ، واطرد واحده ، وانعكس ، ولم يقدح فيه موجب دلالة ، فهو العلة .
وهذا في نهاية الضعف ، وقصاراه الركون إلى الدعوى . وذلك أن للمطالب أن يقول : بم عرفت أنك استوعبت جميع الأقسام ، ونقضت المنتقض منها ، فما يؤمنك - مع تصديك للزلل - أنك أخللت بقسم فلم تذكره ، ولو ذكرته لألفيته مطردا ، منعكسا ، سليما على القوادح عند العرض على قضايا العقل .
فهذا وجه في الطلبة لا محيص عنه ، ويتوجه مثلها في ركن آخر من أركان الكلام .
وذلك أن الأستاذ قال : إذا سلم ما اطرد وانعكس من القوادح فيقال له : بم تعرف سلامته ؟
وما الدليل على انحصار وجوه القدح فيما أحطت به علما .
فإن قال : منها يبالغ الناظر في نظره ولم يأل في تحريه جهدا ، فيقطع بموجب النظر .
فيقال : من حكم النظر العقلي أن يتعلق بدلالة دالة من وجه مخصوص على مدلول ، وما ذكرته من انتفاء القوادح دعوى ، وليس هو في نفسه إظهار دليل ، والدعوى تفتقر إلى الدليل ، وتتجه فيها طلبة المطالب إذا قال : ما الدليل على انتفاء القوادح .
فإن قال المدعي : الدليل عليه أني لم أجده ، فيعلم قطعا أن عدم وجوده لا ينتصب دليلا . على أنه يقال : كما لم يجد دليلا على القدح ، لم يجد دليلا على نفيه . فلا يلوذ المدعي إلا إلى غمة وحيرة . ويتضح ذلك بفرض الكلام في المسترشد ، وما نعنيه وهو مسترشد ، قول المسؤول : لم أجد قادحا مع علمه بأن المسؤول لا يعتصم عن الزلل .
وقد أشار الأستاذ إلى هذا السؤال ولم يستقص ، ثم لم يزد في جوابه على أن قال : لو طرقنا أمثال هذه الطلبة ، لحل الخطب ، وعظم الأمر ، وتسلسل القول . وليس يخفى على ذي تحصيل أن الذي ذكره ليس بجواب . غير أنه ضمّ إلى الدعوى الأولى أخرى تحكم بها على المحققين ، وذلك أنه ادعى تسلسل القول فيما ألزم ، وزعم أنه لا جواب سوى ما ذكره . فليس الأمر على ما قدر .
ثم أومأ إلى طريقة أخرى هي أقرب قليلا . على أنها مدخولة ، وذلك أنه قال : مهما اطردت العلة وانعكست واستحال تقدير الحكم دونها وتقديرها دون الحكم فيقطع بصحتها وانتصابها علة موجبة .
وقد يشير الأستاذ أبو إسحاق إلى قريب من ذلك في بعض أبواب « الجامع » ووجه
الشامل في أصول الدين — صفحة 394
مساهمون: عبد الملك الجويني
ص٣٩٤