والسبيل في ذلك أن نقول : أما اختصاص القيام فلا نزاع فيه . وأما وجوب الحكم للجملة لقيام العلة ببعضها ففاسد عنده . وسنعقد في ذلك بابا إن شاء اللّه عز وجل .
وأما الرتبة الثالثة فلم يذكر فيها وجها من الاختصاص ، بيد أنه قال : لا يتصور إلا هذا . ومحصوله يؤول إلى أنه لا يتصور اختصاص ، فإذا لم يتصور ذلك فامنعوا إثبات الحكم بها ، وأطلقوا القول بإيجاب العلة معلولها ، من غير تحقق اختصاص . وقول ابن الجبائي لا يتصور إلا هذا ، [ و ] إنما كان يستقيم لو ثبت ضرب من الاختصاص وانتفى ما عداه ، وليس الأمر كذلك . فإنه لم يوضح وجها من الاختصاص بحال . ثم كل ما يهذي به يبطل عليه بالفناء ، على ما سبق إلزامه في غير موضع .
وأما ما ذكره الأستاذ في إطلاق القول بأنه لا يشترط قيام العلة بمن له الحكم منها ، فلا نقدر أحدا صرح بما صرح به . ثم إنه نسبه إلى شيخنا ، ولم يقل ذلك نقلا من نص كلامه ، وإنما قاله استنباطا من قول شيخنا في البقاء ، وجمع بين فصول ، ونحن نفيضها واحدا واحدا إن شاء اللّه .
فمما ذكره أن الفعل علة في كون الفاعل فاعلا ، وقد سبق إفساد ذلك . وذكر أيضا أن العلم علة في كون المعلوم معلوما ، وسنوضح بطلان ذلك في باب ما يعلل وما لا يعلل .
فأما البقاء فهو من أغمض أحكام الصفات وسنعقد فيه بابا إن شاء اللّه . وأما ما ذكره في كون النهي علة في تحريم المحرم ، فواضح البطلان ، لأن النهي قديم وفاقا بيننا وبينه ، فيقال له بعد ذلك : فما التحريم ؟ فإن زعم أن التحريم وصف في المحرم ، فذلك محال على أصول أهل الحق قاطبة ؛ فإنا لا نجعل المحرم بالتحريم وصفا . وإنما المعتزلة هم الذين جعلوا التحريم راجعا إلى القبح . ثم القبح عندهم من صفات نفس القبيح ، ولذلك زعموا أنه يستدرك عقلا ، كما تستدرك جملة صفات الذوات ضرورة أو نظرا .
وليس للذوات عند أهل الحق أوصاف تحرم لأجلها ، ولكن يتعلق التحريم بالشرع وقضايا السمع .
فإذا قيل لنا : فما التحريم ؟ قلنا : هو النهي نفسه على ما سنستقصيه في التعديل والتجوير إن شاء اللّه . فرجع محصول قول الأستاذ إلى أن النهي علة في النهي ، وهذا يغني وضوح بطلانه عن الإطناب فيه .
ولو قال : المعلل بالنهي تسمية المحرم محرما ، وقد أشار إلى ذلك ، فهو باطل بما قدمناه من إبطال تعليل التسميات .
الشامل في أصول الدين — صفحة 390
مساهمون: عبد الملك الجويني
ص٣٩٠