وقال التفتازاني في مبحث المعاد : إنّ المعاد عند الحكماء روحاني فقط ، وعند جمهور المسلمين جسماني فقط بناء على أنّ الروح جسم لطيف ، وعند المحقّقين منهم كالغزالي ، والحليمي ، والراغب ، والقاضي ، وأبي زيد : روحاني وجسماني ذهاباً إلى تجرد النفس ، وعليه أكثر الصوفية والشيعة والكرامية ، وليس بتناسخ ، لأنّه عود في الدنيا إلى بدن ما ، وهذا عود في الآخرة إلى بدن من الأجزاء الأصلية للبدن الأوّل ، والقول بأنّه ليس هو الأوّل بعينه لا يضر ، وربما يؤيد بقوله تعالى :
« كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها »
« 1 » وقوله تعالى :
« أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى »
« 2 »
.
« 3 »
وهذه الكلمات من أساطين الكلام تكشف عن أنّ مرادهم من الإعادة هو المثلية لا العينية على وجه الدقة ، فيكفي في صدق المعاد جمع الأجزاء الباقية أو خلقها ثانياً فإنّه إعادة للأوّل عرفاً وإن لم يكن إعادة بالدقة .
وبذلك يستغني المتكلّمون عن إقامة البرهان على الجواز ، لما عرفت من أنّ مصبّ الحوار عندهم غير مصبّ المنع عند الحكماء ومع ذلك نذكر ما استدلوا به على الجواز .
استدلال المجوّزين لإعادة المعدوم
استدلّ القائلون بالجواز بوجوه :
الأوّل : إنّ عود الوجود للمعدوم بعد الوجود ، لو كان ممتنعاً ، لكان ذلك الامتناع مستنداً ، إمّا إلى ماهية المعدوم نفسها ، أو إلى لازمها ، وإمّا إلى عارض من
هامش
( 1 ) . النساء : 56 .
( 2 ) . يس : 81 .
( 3 ) . شرح المقاصد : 4 / 88 .