هذا هو نبي اللَّه الكليم موسى بن عمران ، قد تحمل العبء الكبير في هدايتهم وإنقاذهم من مخالب آل فرعون وعبر بهم البحر ، فلمّا جاوزوه مالوا إلى الوثنية وطلبوا من موسى أن يجعل لهم إلهاً كما لهم آلهة ، يقول سبحانه :
« فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ » .
« 1 »
فنسأل فضيلة الشيخ :
هل كان العيب في الإمام المربي ؟ أم في الذين بذل جهده في تربيتهم ومدحهم وزكاهم وعلمهم ؟
أم العيب في الناقد الطاعن ؟ !
وقد ابتلى الكليم بنفس تلك البلية في فترة أُخرى من فترات حياته ، عندما ذهب إلى ميقات ربّه ، ارتد قومه ولجئوا إلى الوثنية ، وأخبره سبحانه بذلك وقال :
« فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ » .
« 2 »
فنسأل فضيلة الشيخ ما هو سبب هذا النكوص والارتداد مع وجود المربي الكبير موسى بن عمران ؟
هل كان العيب في الإمام المربي ، أم في الذين بذل جهده في تربيتهم ومدحهم وزكاهم وعلمهم ، أم العيب في الناقد الطاعن ؟ !
وهكذا سائر الأنبياء الذين لم يكن لهم نجاح باهر في دعوتهم ولم يلتف حولهم إلّا القليل من المستضعفين ، فجواب فضيلة الشيخ في حقّهم هو جوابنا في موقف نبينا الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم .
وبما انّ الشيخ يضع وزر هذه الفكرة على الشق الثالث ويعبّر عنه بقوله أم العيب في الناقد الطاعن ؟ فنحن نلفت نظر الشيخ إلى أنّ الناقد الطاعن في أُمّة نوح والكليم هو اللَّه سبحانه ، فهل يرضى الشيخ بهذه النتيجة ؟ !
ولكن الإجابة الواضحة عن تلك الاستفسارات هو انّ العيب في موضع آخر وراء ما ذكره ، وهو اختلاف قابليات نفس الأُمة وخصيصة تربية الجيل العظيم ، فانّ الأساليب التربوية تقتضي بطبيعتها أن تؤمن به فئة دون فئة ، ويصلح حال فئة دون فئة ، وما سمعت أذن التاريخ انّ مصلحاً حمل رسالة إلى قومه ، وكُتب له النجاح التام ولم يتخلّف عن دعوته أحد من قومه .
لقد التف حول النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المهاجرين والأنصار والأعراب وغيرهم ما
هامش
( 1 ) . الأعراف : 138 .
( 2 ) . طه : 85 .