الأوّل : منصب الإفتاء : فإنّ الأحكام الشرعية لما كانت أمراً نظرياً لا يتمكن كلّ أحد من معرفتها ، عمد الإسلام إلى إرجاع نظام الإفتاء إلى فقيه عالم بشرائع دينه ، وهذا هو الّذي يطلق عليه في اصطلاح المتشرعة ب « المفتي » ليكون مرجعاً لأخذ الأحكام .
الثاني : القضاء : فإنّ من مقتضى القوى والغرائز النفسانيّة والطبيعيّة التوجّه إلى المنافع ، والتباعد عن المضارّ ، وهو بدوره يوجب نزاعاً على المنافع الّذي قد ينجرّ إلى الحروب ، فلدفع هذه المفسدة ترك أمر القضاء إلى الفقيه الجامع للشرائط .
الثالث : الحكومة : فإنّ من أهمّ ما يحتاج إليه البشر في حفظ نواميسه ، ونفوسه واجتماع أمره ؛ وجود قائد بينهم يجب على الجميع إطاعة قوله واتّباع فعله ، وهو الّذي يعبّر عنه في لسان الشرع والمتشرعة بالحاكم والسائس .
فالأوّلان من هذه المناصب الثلاثة ثابتان للفقيه باتّفاق الكلمة ، وأمّا الولاية والحكومة - أعني القيام بنظم البلاد والدعوة إلى الجهاد والدفاع وسدّ الثغور وإجراء الحدود وجباية الزكاة وإقامة الجمعة إلى غير ذلك - فهي في نظر مشاهير الفقهاء ثابتة للفقيه الجامع للشرائط ، غير أنّه ينهض بممارسة ذلك المنصب بأحد وجهين :
أ . تارة يقوم بتشكيل الحكومة فيجب على الناس إطاعته .
ب . إذا نهض الناس بتشكيل الحكومة تحت الضوابط الإسلامية فللفقيه العادل أن يراقب سلوك الحكومة وتصرفاتها فيصحّح سيرتها إذا انحرفت ويُعدِّل سلوكها إذا شذ .
إنّ الفقيه بحكم مسئوليّته تجاه الإسلام والمسلمين يتحرّى في جميع الظروف مصالح الأُمّة ، فإذا كانت الحكومة الّتي أقامتها الأُمّة الإسلامية موافقةً للمعايير
رسائل ومقالات — صفحة 459
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٤٥٩