متربّصين بالإسلام الدوائر .
هذا هو الخطر الداخلي وأمّا الخارجي فقد كان خطر الروم يهدّد كيان الإسلام ، وكانت تربطه بحزب النفاق روابط وثيقة ، ولم يكن هجومه على المدينة أمراً بعيداً عن الأذهان ولم يغب عن بال النبي صلى الله عليه وآله وسلم خطرُهم حتى على فراش الموت فكان يوصي أصحابه بالانضواء تحت لواء أُسامة بن زيد بغية المسير إلى ثغورهم ، وكان يُلحّ عليهم بالذهاب كلّما أفاق من مرضه ويلعن من تخلّف عنه ويقول :
« جهّزوا جيش أُسامة لعن اللَّه من تخلّف عنه » . « 1 »
وثمّة عامل ثالث كان محطَّ إثارة قلق لكلّ من ينبض قلبه للإسلام ، وهو طروء روح العصيان على القبائل المجاورة للمدينة حيث كانوا على عتبة الارتداد من أجل التخلّف عن أداء الزكاة ودفع الضرائب للحكومة المركزية .
هذه العوامل الثلاثة التي تكفي واحدة منها في إثارة القلق والاضطراب صارت سبباً لغض الإمام علي عليه السلام عن حقه وسكوته أمام المؤامرات التي حيكت في السقيفة ، فلو كان الإمام مصرّاً على تسنّم منصة الخلافة وخوض غمار الحرب من أجل الوصول إلى هدفه ، فليس من البعيد أن تتاح الفرصة للمنافقين للتصيّد بالماء العكر ، وبالتالي هجوم الروم على المدينة ومحو الإسلام ، وقد نوه الإمام بهذه الأُمور العصيبة الداعية إلى السكوت في بعض خطبه ، وقال :
« فوالله ما كان يُلقى في روعي ، ولا يخطر ببالي ، انّ العرب تزعج هذا الأمر من بعده صلى الله عليه وآله وسلم عن أهل بيته ، ولا أنّهم مُنحّوه عني ممّا بعده ! فما راعني إلّا انثيال الناس على فلان يبايعونه ، فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام ، يدعون
هامش
( 1 ) . الشهرستاني : الملل والنحل : 1 / 23 ؛ ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة : 2 / 20 ، ط مصر .