عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ » .
« 1 »
والمراد من الحكم في الآية الثانية هو الحكم التكويني ؛ بمعنى انّ الكون كلّه بيده ويخضع لتدبيره ، وسائر جُمَل الآية يؤيد هذا المعنى ، إذ إنّ يعقوب حينما كان يرشد أبناءه إلى سبيل الوصول إلى هدفهم ويوضح لهم طريق النصر ويأمرهم بالدخول من أبواب متفرقة ، سرعان ما يقول لهم :
« وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ »
.
ويفيد منحى الآية انّ الهدف منها هو بيان الحكم التكويني للباري تعالى ؛ فقد أشارت إلى ذلك في موضع آخر بالقول :
« لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »
« 2 » ، ومراد يعقوب هو انّ جميع الأفعال في الكون وكل الانتصارات والهزائم إنّما هي بيده تعالى ، في حين انّ المراد منها في الآية الأُولى هو الحكم التشريعي ، أي أنّ اللَّه سبحانه هو صاحب الحقّ في الأمر والنهي والتحليل والتحريم ، وسرعان ما يقول :
« أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ »
وكأنّ سائلًا سأله بعد عبارة
« إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ »
، إذا كان منصب الحكم والتشريع مختصاً باللَّه دون سواه فما هو حكم اللَّه في العبودية ؟
فأجابه على الفور :
« أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ »
.
بناء على ذلك ، فانّ المراد من عبارة
« إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ »
هو الحكومة التي تقوم على أساس السلطة التشريعية ، ومثل هذا المنصب إنّما يختصّ باللَّه سبحانه ولا حقّ لغيره في التدخل فيه ، والسلطة التشريعية والتقنين شأن خاص باللَّه ولا حق لأحد بإصدار حكم أو تشريع فريضة دون إذن منه تعالى .
هامش
( 1 ) . يوسف : 67 .
( 2 ) . الحديد : 2 .