تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ومقالات — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
ثمّ إنّهم اختلفوا في بعض الصفات وانّه هل هو من صفات الذات أو من صفات الفعل كالإرادة والتكلّم ؟ فأهل الحديث والمتكلّمون على أنّ الإرادة من صفات الفعل تنتزع من إعمال القدرة خلافاً للحكماء فإنّهم جعلوها من صفات الذات بالمعنى المناسب لذاته سبحانه ، نظير الاختلاف في الكلام فالأشاعرة على أنّه من صفات الذات ، والمعتزلة والإمامية على أنّه من صفات الفعل . أمّا وجه الاختلاف في الكلام فهو مذكور في محلّه وخارج عن هدف الرسالة . وأمّا وجه اختلافهم في الإرادة وذهاب بعض إلى أنّه من صفات الذات والبعض الآخر إلى أنّه من صفات الفعل ، فحاصله : إنّ من جعلها من صفات الذات فباعتبار أنّ الإرادة من صفات الكمال بشهادة انّ الفاعل المريد أكمل من الفاعل غير المريد ، فسلبها عن الذات يستلزم كونه فاعلًا غير مريد ، وهو نقص في الفاعلية ، سواء أكانت مع الشعور أم بدونه . وأمّا من جعلها من صفات الفعل فلأجل انّ الإرادة أمر تدريجي بالذات ، توجد بعد وجود مقدّمات من تصوّر الموضوع والتصديق بفائدته واشتياقاً إلى فعله إلى أن ينتهي إلى الجزم والتصميم ، والإرادة بهذا المعنى أمر حادث تعالى سبحانه عن أن تقع ذاته محلًّا للحوادث . فلأجل هذين الأمرين اختلفت أنظارهم في أمر الإرادة وأنّها هل هي من صفات الذات أو من صفات الفعل ؟ فمن جانب انّ الإرادة وصف كمال لا يمكن خلو الذات عن ذلك الكمال ، ومن جانب آخر انّ حقيقة الإرادة حقيقة متجدّدة ، والتجدّد عين الحدوث ، والحدوث عين الفقر ، واللَّه سبحانه منزّه عن ذلك .
رسائل ومقالات — صفحة 154 | الشيخ جعفر السبحاني