الأمر الخامس : تغيير عنوان المسألة في كتب المتأخّرين
إنّ العنوان الرائج في كتب القدماء هو خلق الأعمال والأفعال ولكن العنوان الموجود بين المتأخرين غير ذلك فهم يعبرون عن المسألة بالعنوان التالي :
إنّ اللَّه قادر على كلّ المقدورات أو انّ أفعال العباد الاختيارية واقعة بقدرة اللَّه سبحانه وتعالى وحده . « 1 »
ولعل التعبير الثاني أفضل ، وذلك لأنّ مادة الخلق لا تنسب إلى الفعل في لغة العرب ، فلا تجد في الكتاب والسنّة ولا عند شعراء العصر الجاهلي من ينسب الخلق إلى الفعل ويقول خلق الأكل أو الشرب .
نعم ورد في القرآن الكريم قول إبراهيم :
« إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً »
« 2 » فقد نسب الخلق إلى الإفك الذي هو يعدّ فعلًا للإنسان .
ولكن الإمعان في الآية يفسر لنا وجه هذه النسبة ، فانّ الإفك كناية عن الاعتقاد بكون الأصنام إلهاً يُعبد ، فقد صار هذا سبباً لنسبة الخلق إلى الفعل ( الإفك ) المتجسّم في ضمن « الأوثان » التي يتعلّق بها « الخلق » .
وهذا يعرب عن أنّ العنوان الواضح هو ما اختاره المتأخّرون من عمومية قدرته لأفعال العباد .
الأمر السادس : في إيضاح الجهمية والنجارية والضرارية
إنّ هذه الطوائف الثلاث من دُعاة القول بالجبر وخلق الأعمال وانّ نصيب
هامش
( 1 ) . لاحظ شرح المواقف : 8 / 145 .
( 2 ) . العنكبوت : 17 .