الغلوّ في أضدادهما ، وفي رأيي انّه لو سادت تعاليم المعتزلة إلى اليوم كان للمسلمين موقف آخر في التاريخ غير موقفهم الحالي ، وقد أعجزهم التسليمُ وشلّهم الجبرُ ، وقعد بهم التواكل . « 1 »
ولو كان الكاتب واقفاً على منهج أئمّة أهل البيت في حرية الإنسان ، وحدود سلطان العقل لأذعن بأنّ المنهج في تحديد الحرية ، خال عن الغلوّ ، وانّه أعطى لكلّ حقّه ، فما عاقه القول بالتوحيد في الخالقية ، عن القول بحرية الإنسان ، وانّ مصيره من حيث السعادة والشقاء بيده ، كما لم يمنعه القول بتأثير قدرة العبد في انتخابه واختياره عن القول بالتوحيد في الأفعال ، وانّ كلّ ما في الكون من دقيق وجليل قائم به سبحانه ، ومفاض منه عبر العلل والأسباب .
لم يزل النقاش والجدال قائماً بين الأشاعرة والمعتزلة على قدم وساق ، وكلّ يتهم الآخر بأشنع التهم ، فالأشعري يتّهم المعتزلي بالشرك وانّ القول باستقلال الإنسان في فعله يستلزم أن يكون للَّه شركاء بعدد الإنسان وهم عباده المكلّفون ، وهذا يناقض عقيدة التوحيد ، وبرهان الوحدانية ؛ كما أنّ المعتزلة تتّهم الأشاعرة بأنّ قولهم بخلق الأعمال لا يتّفق مع القول بعدله وحكمته سبحانه ، إذ كيف يثاب المرء أو يعاقب على عمل لم يوجده .
ولو رجع روّاد المنهجين ، إلى منهج أئمّة أهل البيت لوقفوا على الحقّ الصراح ، وانّ القول بالتوحيد في الخالقية لا يزاحم القول بالعدل والحكمة ، ( بشرط أن يفسر على النهج الصحيح ) وانّ بين الأصلين كمال التلاؤم .
رُوي انّ القاضي عبد الجبار المعتزلي ( المتوفّى 415 ) دخل دارَ الصاحب بن عباد فرأى فيه أبا إسحاق الاسفرائني الأشعري ( المتوفّى 413 ه ) فقال القاضي :
هامش
( 1 ) . ضحى الإسلام : 3 / 7 .