ومن هنا يتبين أنّ العبد ليس مجبوراً ، لا ظاهراً ولا باطناً ، ولا مجزياً على ضلاله بإضلال اللَّه إياه ، فإنّ هذا أمر تأباه حكمة الحكيم وعدل العادل ، وتمنع تصوّره .
القضاء والقدر ليس معناهما الإلزام
وبهذا يكون المؤمنون عمليّين ، لا يعتذر الواحد منهم عن تقصير في واجب بالقضاء والقدر ، فليس في القضاء والقدر إلّا العدل المطلق ، والحكمة الشاملة العامة ، ليس فيهما إلّا الحكم والترتيب ، وربط الأسباب بالمسببات على سنّة دائمة مطّردة ، هي أصل الخلق كلّه ، وهي أساس الشرائع كلّها ، وهي أساس الحساب والجزاء عند اللَّه ، وليس فيهما شيء من معاني الإكراه والإلزام . وإنّما معناهما الحكم والترتيب ، فقضى : حكم وأمر ، وقدر : رتب ونظم ، وعلم اللَّه بما سيكون من العبد باختياره وطوعه - شأن المحيط علمه بكلّ شيء - ليس فيه معنى إلزام العبد بما علم اللَّه أنّه سيكون منه ، وإنّما هو العلم الكامل الذي لا يقصر عن شيء في الأرض ولا في السماء ، ولا فيما كان وما يكون . « 1 »
وبذلك تمت المراحل التي مرّت على نظرية الكسب التي شغلت بالَ المفكّرين عدة قرون وتركتْ بصماتِها على ثقافة المسلمين وعلى حياتهم بحجة انّ الإنسان مكتوف اليد ، ليس له ولا لقدرته وإرادته أيُّ أثر في حياته .
قال أحمد أمين : غالت المعتزلة ، بحرية الإرادة ، وغلوا فيها أمام قوم ، سلَبُوا الانسانَ إرادتَه ، حتّى جعلوه كالريشة في مهب الريح ، أو كالخشبة في اليمّ . وعندي انّ الخطأ في القول بسلطان العقل ، وحرية الإرادة ، والغلوّ فيهما ، خير من
هامش
( 1 ) . تفسير القرآن الكريم ، للشيخ شلتوت : 240 - 242 .