الدور .
ومن سبر غور هذه الآيات وتدبّر فيها يقف على عظمة قوله سبحانه :
« سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ »
« 1 » .
فإذا كان التفكير هو جوهر الإسلام وأساسه وعليه أُقيم صَرْح الدين ، فمع الأسف الشديد انّ جماعة من المسلمين عطّلوا العقول عن التفكير في المعارف بذريعة انّ كلّ ما وصف اللَّه به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عليه . « 2 »
أقول : كيف يكون تفسير ما وصف اللَّه به نفسه ، بتلاوته والسكوت عليه ، مع أنّ القرآن نزل للتدبّر في آياته من دون فرق بين آية وأُخرى ، يقول سبحانه :
« كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ »
« 3 »
.
والعجب انّ بعض هؤلاء راح يتفلسف في إثبات نظريته ، ويقول : « إنّما أُعطينا العقل لإقامة العبودية لا لإدراك الربوبية ، فمن شغل ما أُعطي لإقامة العبودية بإدراك الربوبية ، فاتته العبودية ولم يدرك الربوبية » .
وقائل هذا الكلام يفسِّر العبودية بالقيام والقعود والإمساك والصيام التي هي من واجبات الأعضاء ، ولكنّنا نقول : إنّ العبودية تقوم على ركنين : ركن منه يرجع إلى فرائض الأعضاء وواجباتها ، وركن آخر يرجع إلى العقل واللب ، فتعطيل العقول عن معرفة المعبود بالمقدار الذي يستطيع الإنسان الوصول إليها ، تعطيل لإقامة العبودية أو لجزئها ، ولو اقتصر الإنسان في إقامة العبودية بالقيام والقعود
هامش
( 1 ) . فُصّلت : 53 .
( 2 ) . الرسائل الكبرى ، لابن تيمية : 1 / 32 ، نقله عن سفيان بن عيينة .
( 3 ) . ص : 29 .