تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ومقالات — صفحة 24

مساهمون:

ص٢٤
والمراد من الشكر في ذيل الآية صرف النعمة في مواضعها ، فشكر السمع والبصر هو إدراك المسموعات والمبصرات بهما ، وشكر الفؤاد هو إدراك المعقولات وغير المشهودات به ، فالآية كما تحرِّض على إعمال السمع والبصر في درك ظواهر الكون ، تحرِّض أيضاً على استعمال الفؤاد والقلب والعقل فيما هو خارج عن إطار الحس وغير واقع تحت متناولة ، فمن أراد قصر التعليم والتفكير على ظواهر الكون وحرمان الإنسان من التفكير فيما هو خارج عن نطاق الحس فقد خالف القرآن الكريم . فهو أشبه بالطفل الذي يقتصر بما حوله من الأشباه والصور ، دون أن يستطلع ما وراءهما ، فالإنسان بحاجة إلى الحس والعقل معاً بغية التحليق في سماء العلم والعرفان .

القرآن هو المنطلق الأوّل لتنمية الفكر الإنساني

إنّ القرآن هو المنطلق الأوّل لتنمية الفكر الإنساني وحثّه على التعقّل والتفكير ، فمن أراد أن يخلص للَّه في العبودية بلا تحليق العقل في سماء المعرفة ، فقد تغافل عن آيات الذكر الحكيم ونظائرها . قال سبحانه :
« أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ »
« 1 » . فلو فسرنا « الشيء » في الآية بالسبب والعلة ، فالجزء الأوّل من الآية يشير إلى برهان الإمكان الذي يقوم على لزوم سبب موجب لخروج الشيء من العدم إلى الوجود ، والجزء الثاني منها يشير إلى بطلان كونهم خالقي أنفسهم ، الذي يستقل العقل الصريح ببطلانه قبل أن يستقلّ العقل الفلسفي ببطلانه لأجل استلزامه
هامش
( 1 ) . الطور : 35 - 36 .
رسائل ومقالات — صفحة 24 | الشيخ جعفر السبحاني