ثمّ يقول :
« ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ »
أي لولا الوحي ما كان من شأنك الوقوف على تفاصيل ما في الكتاب ، ولا على تفاصيل ما يجب الإيمان به ، فالعلم التفصيلي بمضامين الكتاب وما فيه من الأُصول والتعاليم والقصص ثمّ الإذعان والإيمان بتلك التفاصيل حصل عند نزول الوحي ، ولولاه لما كان هناك علم ولا إيمان .
وبما انّ القرآن يفسر بعضه بعضاً ، فهناك آيتان تفسّران كلًا من الأمرين .
أمّا قوله :
« ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ »
، فيفسره قوله
« تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ »
« 1 » فالآية صريحة في أنّ النبي لم يكن عالماً بتفاصيل الأنباء وإنّما وقف عليها عن طريق الوحي ، فعبر عن عدم وقوفه عليها في هذه الآية ، بقوله :
« ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ »
.
وأمّا قوله :
« وَلَا الْإِيمانُ »
فيفسره قوله :
« آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ »
« 2 » فقوله :
« آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ »
صريح في أنّ متعلّق الإيمان الحاصل بعد الوحي ، الإيمان بما أُنزل إليه من تفاصيل الكتاب ، لا الإيمان باللَّه وتوحيده .
وجميع هذه الآيات تشير إلى تكريمه سبحانه نبيّه وإنعامه عليه الذي جاء في الآية التالية :
« وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً »
« 3 » .
هامش
( 1 ) . هود : 49 .
( 2 ) . البقرة : 285 .
( 3 ) . النساء : 113 .