ثم ظهرت في ربيعة فغلبت على تغلب وعبد القيس وأفناء بكر ، ثم في آل ذي الجدين خاصة .
وجاء الإسلام وليست اليهودية بغالبة على قبيلة ، إلا ما كان من ناس من اليمانية ، ونبذ يسير من جميع إياد وربيعة . ومعظم اليهودية إنما كانت بيثرب وحمير وتيماء ووادي القرى ، في ولد هارون ، دون العرب .
فعطف قلوب دهماء العرب على النصارى الملك الذي كان فيهم ، والقرابة التي كانت لهم . ثم رأت عوامنا أن فيها ملكا قائما ، وأن فيهم عربا كثيرا ، وأن بنات الروم ولدن لملوك الإسلام ، وأن في النصارى متكلمين وأطباء ومنجمين ، فصاروا بذلك عندهم عقلاء وفلاسفة حكماء ، ولم يروا ذلك في اليهود .
[ 17 - ظن العرب ان النصارى أصحاب علم وفلسفة ]
وإنما اختلفت أحوال اليهود والنصارى في ذلك لأن اليهود ترى أن النظر في الفلسفة كفر ، والكلام في الدين بدعة ، وأنه مجلبة لكل شبهة ، وأنه لا علم إلا ما كان في التوراة وكتب الأنبياء ، وأن الإيمان بالطب ، وتصديق المنجمين من أسباب الزندقة والخروج إلى الدهرية ، والخلاف على الأسلاف وأهل القدوة ، حتى أنهم ليبهرجون المشهور بذلك ، ويحرمون كلام من سلك سبيل أولئك .
ولو علمت العوام أن النصارى والروم ليست لهم حكمة ولا بيان ، ولا بعد روية ، إلا حكمة الكف ، من الخرط والنجر والتصوير ، وحياكة البزيون لاخرجتهم من حدود الأدباء ، ولمحتهم من ديوان الفلاسفة والحكماء ، لأن كتاب المنطق والكون والفساد ، وكتاب العلوي ، وغير ذلك ، لأرسطاطاليس ، وليس برومي ولا نصراني .
وكتاب المجسطي لبطليموس ، وليس برومي ولا نصراني .
وكتاب أقليدس لأقليدس ، وليس برومي ولا نصراني .