فلما رأت العوام اليهود والنصارى توهمت أن دين اليهود في الأديان كصناعتهم في الصناعات ، وأن كفرهم أقذر الكفر ، إذ كانوا هم أقذر الأمم .
وانما صارت النصارى أقل مساخة من اليهود ، على شدة مساخة النصارى ، لأن الإسرائيلي لا يزوج إلا الإسرائيلي ، وكل مناكحهم مردودة فيهم ومقصورة عليهم ، وكانت الغرائب لا تشوبهم ، وفحولة الأجناس لا تضرب ولا تضرب فيهم ، لم ينجبوا في عقل ولا أسر ولا ملح . وإنك لتعرف ذلك في الخيل والإبل ، والحمير والحمام .
ونحن - رحمك اللّه - لم نخالف العوام في كثرة أموال النصارى ، وأن فيهم ملكا قائما ، وأن ثيابهم أنظف ، وأن صناعتهم أحسن .
وإنما خالفنا في فرق ما بين الكافرين والفرقتين ، في شدة المعاندة واللجاجة ، والإرصاد لأهل الإسلام بكل مكيدة ، مع لؤم الأصول وخبث الأعراق .
[ 19 - التسامح مع النصارى ]
فأما الملك والصناعة والهيئة ، فقد علمنا أنهم اتخذوا البراذين الشهرية ، والخيل العتاق ، واتخذوا الجوقات ، وضربوا بالصوالجة ، وتحذفوا المديني ، ولبسوا الملحم والمطبقة ، واتخذوا الشاكرية ، وتسموا بالحسن والحسين ، والعباس والفضل وعلي ، واكتنوا بذلك أجمع ، ولم يبق إلا أن يتسموا بمحمد ، ويكتنوا بأبي القاسم .
فرغب إليهم المسلمون ، وترك كثير منهم عقد الزنانير ، وعقدها آخرون دون ثيابهم ، وامتنع كثير من كبرائهم من إعطاء الجزية ، وأنفوا مع أقدارهم من دفعها وسبوا من سبهم ، وضربوا من ضربهم .
وما لهم لا يفعلون ذلك وأكثر منه ، وقضاتنا أو عامتهم يرون أن دم الجاثليق والمطران والأسقف وفاء بدم جعفر وعلي والعباس وحمزة .
ويرون أن النصراني إذا قذف أم النبي صلّى اللّه عليه وسلم بالغواية أنه ليس عليه إلا