ثم إن الإنسان الفرد لا يتم له وحده جميع كمالاته الملائمة لذاته لكونه في جميع جهات ذاته محتاجا إلى التكامل وتفنن احتياجاته الحيوية مع احتفاف كل واحد من كمالاته بما لا يحصى من الآفات ولذلك فهو بالفطرة مضطر إلى الاجتماع والتعاون والتمدن مع أمثاله والحياة فيهم حتى يقوم كل فرد بجهة أو جهات معدودة من خصوصيات كمالاتهم بما يسعه طاقته ويعيشوا بنحو الاشتراك وهاهنا وقعت الحاجة إلى التفهيم والتفهم فابتدأ ذلك بالإشارة ثم كمل بالصوت ثم تمم ذلك بتمييز الأصوات المختلفة للمقاصد المختلفة .
والدليل عليه ما نشاهده في الحيوان العجم فإن فيها دلالة على المقاصد بالأصوات وتعدادها كثرة وقلة بالنسبة إلى اجتماعاتها كصوت النزاع وصوت السفاد وصوت التربية وصوت الإشفاق وغير ذلك مما بينها وهذا الأمر يكتمل ثم يكتمل حتى يصير اللفظ وجودا لفظيا للمعنى لا يلتفت عند استماعه إلّا إلى المعنى ويسري الحسن والقبح من أحدهما إلى الآخر .
ثم إن اشتراك المساعي في الحياة واختصاص كل فرد بما يهيؤه يوجب اعتبار الملك في المختصات وأصله الاختصاص وكذا اعتبار الزوجية واحتياج الكل إلى ما في أيدي آخرين يوجب اعتبار التبديل في الملك والمعاملات المتنوعة من البيع والشراء والإجارة وغيرها وحفظ النسبة بين الأشياء القابلة للتبديل من حيث القلة والكثرة والابتذال والعزة وغير ذلك يوجب اعتبار الفلوس والدينار وهو شيء يحتفظ به نسبة الأشياء القابلة للتبديل بعضها مع بعض .
ثم إن هذه التقلبات الغير المحصورة لا يختلف من وقائع جزئية معتدلة وأخرى يقع فيها الظلم والتعدي والإجحاف فالأفراد في أخلاقها مختلفة والطبائع إلى التعدي وتخصيص المنافع بنفسها
الرسائل التوحيدية — صفحة 192
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص١٩٢