البرهان ، والحق يستبين في النحل بالرجوع إلى القرآن الذي اتفقت عليه الفرق ، وإلى الإجماع المتيقن . فلا بد لمن أراد الوقوف على الحقائق في ذلك من الوقوف على ما أوجبه القرآن وصح به الإجماع . والحق يتبين فيما اختلف فيه العلماء بالرجوع إلى ما افترض الله تعالى الرجوع إليه من أحكام القرآن والسنن المسندة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فواجب على كل مسلم طلب ما يلزمه من ذلك والبحث عنه واعتقاده الحق إذا صح عنده ، وكل هذا لا يدرك بالأماني الفاسدة ولا بالأهذار الباردة ولا بالدعاوى الكاذبة ، لكن بطلب أحكام القرآن والبحث عن الحديث وضبطه والاشتغال به عما لا يجدي ولا يغني ، وحسبنا الله ونعم الوكيل .
[ أما قولهم ] : إن حديث النبي صلى الله عليه وسلم متسع جداً أكثر من أن يحصى أو يحاط به ، ويدعي غيرك أن الحديث الذي ترويه أنت منسوخ والذي يرويه هو هو [ الناسخ ] بأصح أسانيد - فكلام باطل ؛ بل حديث النبي صلى الله عليه وسلم محصى مضبوط مجموع مستقصى ( 1 ) ولله الحمد . ومن ادعى في حديث انه ناسخ أو منسوخ لم يصدق البتة إلا بأن يأتي على ما يدعيه بذلك بنص صحيح يخبر ( 2 ) انه منسوخ ، أو بإجماع صحيح يخبر انه منسوخ ، أو بتقدم تاريخ مع تعذر الجمع بينهما ، وكل هذا سهل ممكن لمن طلبه لا لمن قعد يهذر ويشتغل بالحديث البارد ، وبالله [ 185 ب ] تعالى التوفيق .
وأما قولهم : " إذ كل ما ذكرتم مانع من الرجوع إلى ما قامت به البينة " ( 3 ) . فالحجة ( 4 ) عندكم فيما اعتقدتم مذهب مالك ولعل غيره أصح منه . فإن قالوا : وجدنا عليه من وثقنا به من شيوخنا . قيل لهم : وهكذا يقول أهل كل مذهب فيما هم عليه ، وهكذا يقول أهل كل ملة فيما هم عليه ، وهكذا يقول أهل كل نحلة فيما هم عليه : انهم كلهم وجدوا على ما هم عليه من وثقوا به ، ومن لا يتهم بأنه ما جهل الحق ، ولا أنه قال الباطل . فحصلنا من هذا الجنون على لزوم الضلال وعلى قوله تعالى : { إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا } ( الأحزاب : 67 ) . ويقال لهم : لا يخلو السائل عن هذا من أن يكون ممكناً منه طلب العلم وفهمه ، أو يكون
هامش
( 1 ) ص : مقتصى .
( 2 ) ص : غير .
( 3 ) لم يرد هذا القول في ضمن حديثهم السابق ( الفقرة : 21 ) .
( 4 ) ص : الحجة .