تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ابن حزم الأندلسي — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧
أنه الحق ، فينصرف إليه ويعمل بما قد رواه له وأوضحه ، لحديث ( 1 ) قد صح عنده ورواه لم تطلع أنت عليه ولا أحصاه حفظك ، ولا أحاط به علمك ، فلا يدري بمن ( 2 ) منكما يثق ولا بأيكما يتعلق ، فيظل حيران هائماً ، وكل واحد منكم يأتي بحجة وبرهان ودليل ، وإذ حديث النبي صلى الله عليه وسلم كثير متسع أكثر من أن يحاط به أو يحصى ، ويدعي غيرك أن الحديث الذي ترويه أنت هو [ المنسوخ والذي يرويه هو ] ( 3 ) الناسخ بأصح أسانيد " . فالجواب - وبالله تعالى التوفيق - إن هذه طريق ضلال ، ومن تلاعب الشيطان بمن أراد ( 4 ) الله تعالى به الخذلان ، ولو وجب أن لا يرجع أحد إلى ما قام به البرهان خوف أن يأتيه غيره بحجة أخرى ، لما وجب أن يؤمن كافر أبداً ، ولا أن يتوب مبتدع أبداً ، ولا أن يرجع مخطئ إلى حقيقة أبداً ، لأنه يقول اليهودي والنصراني والمجوسي والثنوي إذا أخذته الحجة ، وقام عليه البرهان : كيف أرجع إليك ولعل غيرك يلقاني يوماً ما فيأتيني بحجة وبرهان ودليل يقهرني ، بخلاف ما أوضحت أنت وبينت ، فأرجع إليه أيضاً ، وهكذا أبداً ويقول الخارجي والرافضي والمرجى والمعتزلي إذا قامت عليه الحجة ، وأثبت له البرهان : كيف أرجع إلى قولك ، ولعل غيرك يلقاني يوماً فيأتيني بحجة وبرهان ، ودليل يقهرني بذلك بخلاف ما أضحت أنت وبينت فأبقى حيران ويقول الحنفي والشافعي والحنبلي كذلك أيضاً سواء سواء ، فعلى هذا القول الباطل يجب أن يبقى اليهودي على دينه ودين أبيه ، والنصراني كذلك والمجوسي كذلك والثنوي يجب ان يبقى اليهودي على دينه ودين أبيه ، والنصراني كذلك والمجوسي كذلك والثنوي كذلك والمعتزلي كذلك والخارجي كذلك والرافضي كذلك ، فأي قول في الأرض أبعد عن الهدى من قول أدى إلى هذه الطريقة وهذا [ 185 / أ ] باب لا تنجلي الحيرة فيه عن الممتحن بها بكلام يسير ، ولا بد لطالب الحقائق من أن يسمع حجة كل قائل ، فإذا أظهر البرهان لزمه الانقياد والرجوع إليه ، وإلا فهو فاسق . والبرهان لا يجوز أن يعارضه برهان آخر ، فالحق لا يكون شيئين مختلفين ولا يمكن ذلك أصلاً ، والحق مبين في الملل والديانات بموجب العقل والبراهين الراجعة إلى أول الحس والضرورة . فلا بد لمن أراد الوقوف على الحقائق من طلب العلم المؤدي إلى معرفة
هامش
( 1 ) ص : الحديث . ( 2 ) ص : لمن . ( 3 ) زيادة لازمة يقتضيها السياق . ( 4 ) ص : راأه .