واللّه عز وجل إذا قيس إحسانه إلى كل شيء « 1 » ورحمته له ، وشفقته عليه ، وما جبله عليه من الخير ، وما دفعه عنه من الشر ، وما بيّنه له مما هو لائق بجلاله ، ثم وفّقه للعمل بمقتضاه ؛ كان ما يصنعه الوالد بالنسبة إلى هذا تافها حقيرا .
ثم توقير الأنبياء أيضا للّه ، وحياؤهم منه ، وانقيادهم لأوامره ، ووقوفهم عند مناهيه ، وإجلالهم له أعظم من صنيع الأنبياء « 2 » مع آبائهم . فهو لهم أرحم أب ، وهم له أبرّ ولد .
فهذا سرّ التجوّز / في إطلاق [ مثل ذلك ، فإذا تجوّز في إطلاق ] « 3 » الأب على اللّه ؛ كان معناه : أنه راحم له ، عطوف عليه .
وإذا تجوّز بإطلاق البنوّة على نفسه ، كان معناه أنه موقّر للّه ، معظّم له .
وهذا معنى قول عيسى عليه السلام محرّضا على عدم قطع الرجاء ، أي ؛ أطعتموه في ذلك ، صنع معكم ما يصنع الوالد مع ولده . وهذا أيضا معنى قول تلميذه : « فهو من اللّه مولود » .
فانظر إلى سرّ « 4 » ما وقف عليه الأنبياء ، ثم أذن لهم في إطلاقه ، معوّلين على فهم من له تحصيل يصرفه عن الخيالات الفاسدة .
وها هم الآن أنفسهم مقيمون على إطلاق ذلك ، فإذا رأوا راهبا أو قسّيسا / قالوا له : يا أبانا ، وليس هو أباهم حقيقة ، ولكن مرادهم بالإطلاق ؛ ما أشرنا إليه وهو أنه ينزّلونه في الشفقة منزلة الأب ، وينزلون أنفسهم في توقيره منزلة الأبناء .
وقد صرّح داود عليه السلام بما أشرنا إليه في مزاميره ، فقال : « كما يترأف الأب على بنيه ، كذلك يترأف الربّ على خائفيه » .
فقد ثبت بما ذكرناه أن إطلاق البنوّة عليه ، غير مثبت خصوصيّة يقع بها تميّز .
هامش
( 1 ) في المطبوع : [ نبي ] .
( 2 ) في المطبوع : [ الأبناء ] .
( 3 ) ما بين المعقوفتين مثبت بالهامش .
( 4 ) سقطت من المطبوع .