وجحدهم إياها وعملهم بخلافها ، وأن ذلك بما لا يجوز دخول الشبهة فيه ولا التناسي له ، فلم يبق إلا جحد الضرورة المعلوم خلافها .
فان قيل : إذا كان العلم بوجوب النظر مكتسبا غير ضروري ، فيجب أن يكون مقدما في الوجوب على النظر ، ويبطل قولهم : إن النظر أول الواجبات .
قلنا : العلم بوجوب النظر وان كان مكتسبا فلا بد على ما ذكرناه من حصوله ، ولا يجوز مع العلم بأن له صفة الواجب ألّا يفعل بوجوبه ، لأنه لو لم يفعل علما بوجوبه لخرج بذلك من أن يكون واجبا ، فلم يلزم أن يكون [ من ] « 1 » الواجبات .
فان قيل : فما الدليل على أن النظر في طريق معرفة اللّه تعالى - المقصودة التي لا يعرى من كمل عقله منها - النظر في طريق معرفة اللّه تعالى .
قلنا : ما يجب من الافعال احتراز من وجوب التحرز من القبائح العقلية كالظلم وما أشبهه . وشرطنا القصد احتراز من إرادة النظر ، لأنها غير مقصودة في نفسها ، وهي تابعة للنظر ، والداعي إليها واحد . وشرطنا عدم التعرى مع كمال العقل منه احترازا من ردّ الوديعة وقضاء « 2 » الدين وشكر النعمة ، لأنه قد يعرى مع كمال العقل من كل ذلك وان لم يعر من وجوب النظر .
فإذا قيل : فهو لا يعرى في كل حال من نعم اللّه تعالى ، وان جاز أن يعرى من نعم غيره .
قلنا : هو كذلك ، إلا أن شكر النعمة لا يجب إلا بعد العلم بأنها نعمة ، وأن فاعلها قصد وجه الانعام والاحسان . ولا يصح العلم بذلك في نعمة تعالى إلا بعد العلم به وبصفاته .
والدليل على صحة ما ذكرناه من أن النظر في طريق معرفته تعالى أول
هامش
( 1 ) الزيادة منا لسياق الكلام .
( 2 ) في ه « وقضاد » .