فهدمه ، وقتل أهله ، ودعا بالنضيرة فبات معرّسا بها ، فجعلت تتململ على الفراش ساهرة ؛ فقال لها سابور : ما لي أراك مسهدة « 1 » ؟ فقالت : جنبي يتجافى « 2 » عن فراشك هذا ! ! فقال : ولم ؟ فو اللّه ما نامت الملوك على أوطأ منه ولا ألين ، وإن حشوه لزغب النعام ! !
فلما أصبح نظر فإذا ورقة آس بين عكنتين من عكنها ، فتناولها ، فسال موضعها دما ؛ فقال لها : بم كان أبواك يغذوانك ؟ فقالت بالزّبد والمخ والشهد ، وصفو الخمر ! ! فقال سابور : إذا لم تصلحى لأبويك ، وكانت هذه حالك عندهما ، فأنت أجدر ألا تصلحى لي ، وما ينبغي لي أن آمنك ، ولا أثق بك ؛ فأمر بها فشدّت ذوائبها بين فرسين ثم خلى عنهما فقطعاها « 3 » وقد ذكرت ذلك الشعراء ، قال أبو دؤاد الأيادى « 4 »
ألم يحزنك والأنباء تنمى * بما لاقت سراة بنى العبيد
ومقتل ضيزن وبنى أبيه * وأخلاس القبائل من يزيد
« 5 »
أتاهم بالفيول مجلّلات * وبالأبطال سابور الجنود
فهدّم من بروج الحضر صخرا * كأنّ ثقاله زبر الحديد
« 6 »
وقال الأعشى :
هامش
( 1 ) سهد : أرق ولم ينم
( 2 ) تجافى عن مكانه : لم يطمئن عليه
( 3 ) ويروى : ثم أمر رجلا فركب فرسا جموحا وضفر غدائرها بذنبه ثم استركضه فقطعها قطعا
( 4 ) يروى الشعر في شعراء النصرانية لعمرو بن آلة ، وفي الأصل : أبو ذؤاد ( بالذال )
( 5 ) ومقتل : ويرى : ومصرع . واخلاس القبائل : يروى وأحلاس الكتائب ، وأحلاس الخيل : الملازمون ركوبها ، والحلس أيضا : الكبير من الناس والشجاع
( 6 ) الزبر : جمع الزبرة : القطعة الضخمة من الحديد