فلما أصبح دعا مولاه وردان - وكان عاقلا - فشاوره في ذلك ، فقال وردان :
إنّ مع عليّ عليه السلام آخرة ولا دنيا معه ، وهي التي تبقى لك ، وتبقى لها ، وإنّ مع معاوية دنيا ولا آخرة معه وهي التي تبقى لك فيها ، وإنّ مع معاوية دنيا لا آخرة وهي لا تبقى على أحد ، فاختر أيّهما تختاره ، فتبسّم عمرو وقال :
يا قاتل اللّه وردان وفطنته * لقد أصاب الذي في القلب وردان
لمّا تعرضت الدنيا عرضت لها * بحرص نفسي وفي الاطباع أدهان
نفس تعفّ وأخرى الحرص يغلبها * دينا وذاك له دين وسلطان
فاخترت من طمعي دنيا على بصر * وما معي بالذي أختار برهان
إنّي لأعرف ما فيها وأبصره * وفيّ أيضا لما أهواه ألوان
لكن نفسي تحبّ العيش في شرف * وليس يرضى بذلّ النفس إنسان
ثم إنّ عمرا رحل إلى معاوية فمنعه ابنه عبد اللّه ووردان ، فلم يمتنع فلمّا بلغ مفرق الطريقين : طريق العراق وطريق الشام ، قال له وردان : طريق العراق طريق الآخرة ، وطريق الشام طريق الدنيا ، فأيّهما تسلك ؟ قال طريق الشام « 1 » .
ولا يخفى عليك ما في كلام عمرو من الأدلّة على صحّة خلافته عليه السلام وبطلان غيره ، وعدم استبعاد اختيار الصحابة الدنيا على الآخرة حيث اختار عمرو بمجرد توهم ووعد صدر عن معاوية بمصر ، وليس بمعلوم أنّه يفي ، وإنّه عزله بعد أيّام [ و ] قال قصيدة في ذمّ معاوية ومدح عليّ في تلك بحيث لا يشفي الغليل
هامش
( 1 ) من قوله : « روي أنّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام أرسل إلى معاوية » إلى هنا ، نصّ عبارة الخوارزمي في « المناقب » ص 198 - 202 ؛ وراجع « الإمامة والسياسة » ج 1 ، ص 96 ؛ « الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم » ج 3 ، ص 176 ؛ « وقعة صفين » ص 36 ؛ « الأخبار الطوال » ص 159 ؛ « تاريخ اليعقوبي » ج 2 ، ص 185 .