في الحديث أدى إلى تضييق العمل بالسنة ، أو طرحها بالنتيجة ، والتوسع في العمل بالرأي ، سواء أكان الرأي قياسا أم استحسانا أم مصالح مرسلة .
« ومن الأمور الظاهرة في فقه أبي حنيفة الحيل الشرعية ، وقد أصبحت فيما بعد بابا واسعا من أبواب الفقه في مذهب أبي حنيفة وغيره من المذاهب ، وإن كانت في مذهب أبي حنيفة أظهر » « 3 » .
ومعنى اقتصار أبي حنيفة على العمل ب 17 حديثا فقط أنه في النتيجة لا يعتمد على السنة كمصدر للتشريع ، وأن صحيح البخاري ومسلم ، وبقية الصحاح المحتوية على مئات الأحاديث ليست بشيء ، مع أن الحنيفة يعتبرونها ، ويعملون بها خلافا لمبدإ إمامهم أبي حنيفة .
أما ابن حنبل فيأخذ بالحديث الصحيح إن وجده ، وإلا فبما أفتى به الصحابة ، وإن اختلفوا تخير ، وإلا فبالحديث المرسل والضعيف ، وإن فقد كل هؤلاء التجأ إلى الرأي من قياس واستصلاح ، ولا يعمل به إلا عند الضرورة .
وبهذا يتبين الفرق بين مسلك ابن حنبل ، ومسلك أبي حنيفة ، فالأول يوسع دائرة الأخبار ، ويضيق دائرة الرأي ، والثاني على العكس يوسع دائرة الرأي ، ويضيق دائرة الأخبار ، ومن هنا كان المدى بعيدا بين فقه المذهبين .
أما مالك فوسط بين الاثنين ، فهو لا يشترط في الحديث الشهرة كأبي حنيفة ، ولا يأخذ بالضعيف كما هي الحال عند ابن حنبل ، ويعمل بالخبر الواحد بشرط عدالة الراوي ، أو أمانته ، ولكنه يقدم عمل أهل المدينة على الحديث الصحيح ، ويرى أن الناس لهم تبع ، وإذا أعوزه عمل أهل المدينة ، والحديث الصحيح لجأ إلى الرأي بجميع أقسامه من قياس واستحسان واستصلاح .
أما الشافعي فيأخذ بالحديث إذا رواه ثقة عن ثقة مشهورا كان أو غير مشهور . وإذا لم يجده عمل بالقياس فقط دون الاستحسان والاستصلاح .
أما الإمامية فيأخذون بكل حديث يرويه الثقات عن رسول اللّه ، أو
هامش
( 3 ) ضحى الإسلام لأحمد أمين ، ج 2 ، والمدخل إلى علم أصول الفقه للدواليبي .