تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع الأفكار وناقد الأنظار — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
وغيرها ممّا يتعلّق بالموادّ عن العاقلية وبالموجودية بالفعل ؛ والقيام بالذات يخرج الهيولى عن العاقلية ، لانّ الهيولى ليست موجودة بالفعل ، بل هي جهة القوّة دائما في الموجودات المادّية . فكما أنّها جهة قوّة الوجود فكذا جهة قوّة العالمية فيما يتعلّق بها من الأشياء كالنفوس الّتي هي عاقلة ومعقولة بالقوّة ثمّ تصير عاقلة ومعقولة بالفعل ، ولا يبعد أن يدّعى خروجها عن العاقلية بالتجرّد ، لانّ التجرّد المستلزم للتعقّل إنّما هو البراءة عن المادّية ، وعين المادّة كيف يكون عرية عن المادّية ؟ . وبالجملة ما ذكرنا في دليل انحصار التعقّل في المجرّد من التحليل ومن لزوم كون محلّ المجرّد المعقول مجرّدا انّما يتأتى في المجرّد الموجود بالفعل القائم بذاته المنحصر بالواجب ، والجواهر المجرّدة من العقول والنفوس والصور الجمادية والهيولى وغيرهما من المادّيات ليست كذلك . وعلى ما ذكره الحكماء في دليله من أنّ التعقّل عين حصول الشيء للمجرّد القائم بذاته والمجرّد نفسه حاصل لنفسه فيكون متعقّلا لنفسه يخرج الأمور المذكورة أيضا ؛ امّا الصور الجمادية فلأنّ أنفسها وماهيتها لم تحصل لها ، بل هي حاصلة للموادّ ولم تحصل ماهيتها لها أصلا ، بل لا يحصل لها شيء أصلا فانّ القائم بالغير الحاصل له يكون انيته بعينها انيته للمحلّ ، فلو حصل له شيء يكون حصوله في الحقيقة لمحلّ الصورة والعرض لا لهما ، فانّ ما ليس له حصول في نفسه كيف يحصل له شيء ؟ ! . وعلى هذا فالصور الجمادية وغيرها لا يحصل لها شيء أصلا فضلا عن حصول ماهياتها لها ، فلا يتحقّق لها التعقّل ؛ وامّا الهيولى فانّها وإن لم تحصل وجودها لشيء آخر إلّا أنّها ليست موجودة بالفعل حتّى يدّعى حصول وجودها لذاتها ويلزم كونها عالمة بذاتها ، لكون العلم عبارة عن نحو الوجود للشيء ، قال بهمنيار في التحصيل : « وأقوى الموجودات هو الوجود المستغني من الماهية وأضعف الموجودات ما حقيقته القوّة ، وهذا هو الهيولى ، فما وجوده أقوى الموجودات فهو أقوى في باب المعقول » ؛ انتهى . وقال بعض المشاهير : انّ قوله : « أضعف الموجودات ما حقيقته القوة » إشارة إلى لمية كون الهيولى غير عالمة بذاتها ، فانّ العلم ليس الّا الظهور والانكشاف ، وليس للهيولي وجود بالفعل في حدّ ذاتها فليس لها ظهور وانكشاف لذاتها ، إذ الظهور والانكشاف ليس الّا للوجود بالفعل .
جامع الأفكار وناقد الأنظار — صفحة 68 | ملا محمد مهدي النراقي