تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع الأفكار وناقد الأنظار — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥
الأصحاب تطفّلا لما كنّا في صدد بيانه ، لشدّة الاحتياج إليه وتوقّف إيضاح المطلوب عليه . وقد ظهر وتحقّق من التطويل المذكور انّ التجرّد مصحّح للانكشاف ، وإذا حصل أحد العلاقات المذكورة يحصل الانكشاف بالعقل فكلّ مجرّد قائم بذاته لوجود علاقة حضوره عند ذاته عاقل لذاته إلّا انّ تعقّله ليس عين وجوده ، بل هو شأن من شؤونه ومنتزع عنه انتزاعا لا يوجب التعدّد والتكثّر . وبهذا يثبت ما كنّا بصدد بيانه - أعني : كون كلّ مجرّد عاقلا لذاته - . وقد علمت انّ الطريق الّذي سلكناها لاثبات ذلك - أي : كون كلّ مجرّد عاقلا - غير الطريق المنقولة عن القوم في ذلك ، فانّ لهم ثلاثة مسالك في ذلك : أولها : ما نقلناه عن بهمنيار ، وقد عرفت حاله ؛ وثانيها : الاستدلال بحال النفوس الناطقة للانسان ، / 120
DB
/ فانّه لا ريب في انّ النفوس الانسانية المجرّدة عالمة ومنشأ عالميتها ليس الّا تجرّدها ، قال بعض المشاهير : حكم الحكماء بأنّ كلّ مجرّد عاقل وكلّ معقول مجرّد انّما نشأ من تفتيش عن أحوال النفوس المجرّدة الانسانية وادراكاتها ، وليس منشأ عالميتها الّا تجرّدها . وأنت تعلم انّ هذا وان كان حقّا إلّا انّه يحتاج إلى البيان ، ومجرّد جعل ذلك دليلا مصادرة على المطلوب ، فلا بدّ من بيانه إمّا بدليل يتمّ عند أهل النظر - كما ذكرناه - أو بالحوالة إلى الكشف أو الحدس ؛ وثالثها : ما سلكه المحقّق الطوسي في مبحث الاعراض من التجريد ، وهو : انّ كلّ مجرّد يصحّ أن يكون معقولا ، لانّه بريء عن الشوائب المادية وكلّ ما هو كذلك فشأن ماهيّته / 125
MB
/ أن تكون معقولة ، لأنه لا يحتاج إلى عمل يعمل بها من التجريد والتقشير حتّى يصير معقولة . فإن لم يعقل فانّما ذلك من جهة عدم تحقّق العاقل لها . وإذا صحّ كونه معقولا فيصحّ أن يكون معقولا مع غيره ، لانّ كلّما يصحّ أن يعقل فتعقّله يمتنع ان ينفكّ عن صحّة الحكم عليه بالوجود والوحدة وما يحكم مجريها من الأمور العامّة المعقولة - كالعلّية والمعلولية والشيئية ونحوها - . والحكم بشيء على شيء يقتضي تصوّرهما معا ، فاذن كلّما يصحّ أن يكون معقولا يصحّ أن يعقل مع غيره ، وكلّما يصحّ أن يكون معقولا مع غيره يصحّ أن يكون منها بالمعقول الآخر ، لانّها لمعيته في المعقولية هو