تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع الأفكار وناقد الأنظار — صفحة 458

مساهمون:

ص٤٥٨
وحديث العلم الإجمالي قد عرفت ما فيه مرارا . الثالث من أدلّة المعتزلة على أنّ كلامه - سبحانه - ليس أزليا : إنّ كلامه - تعالى - لو كان أزليا لزم الكذب في إخباره ، لأنّ الإخبار بطريق المضيّ كثير في كلام اللّه - تعالى - ، مثل :
إِنَّا أُرْسِلْنا
و
قالَ مُوسى
و
فَعَصى فِرْعَوْنُ
إلى غير ذلك ؛ وصدقه يقتضي سبق وقوع النسبة ولا يتصوّر السبق على الأزلي ، فتعيّن الكذب ، وهو محال على اللّه - تعالى - . وغير خفيّ بأنّ هذا الدليل يثبت الكلام اللفظي وحدوثه ولا ينافي ثبوت الكلام بمعنى نفس الالقاء ، لأنّه أيضا حادث ؛ ولا ثبوت الكلام الحقيقي الّذي هو عين الذات ، لأنّه ليس مدلولا للكلام اللفظي حتّى يلزم من حدوثه حدوثه . وبذلك يظهر أنّ هذا الدليل يدلّ على بطلان الكلام النفسي القديم الّذي قال به الأشاعرة ، لانّهم إن حملوا الأخبار المذكورة الّتي وقعت بطريق المضيّ في كلامه - سبحانه - على الكلام النفسي لزم حدوثه - لما ذكر ؛ وإن حملوها على الكلام اللفظي بأن يقولوا إنّ المتصف بالمضي وغيره انّما هو اللفظ الحادث دون المعنى القديم أو قالوا إنّ كلامه - تعالى - في الأزل لا يتصف بشيء من الماضي والحال والاستقبال - لعدم الزمان - وانّما يتّصف بها فيما لا يزال بحسب التعلّقات وحدوث الأزمنة والأوقات ؛ وبالجملة اتصافه بتلك الأوصاف ليس إلّا باعتبار تعلّقه بالكلام اللفظي فيما لا يزال ؛ ففيه : إنّ تصحيح هذا الأمر - أعني : براءة كلامه تعالى في الأزل من الأوصاف المذكورة وعدم اتصاف المدلول بهما - غير جائز ، لوجوب التطابق بينهما . وقال بعض المشاهير من جانب الأشاعرة : إنّ ما قالوا من أنّ كلامه الأزلي لا يتّصف بالمضيّ وأخويه مرادهم منه كلامه بمعنى التكلّم الحقيقي - أعني : القدرة على ايجاد الكلام اللفظي - أو العلم بمدلول الكلام اللفظي ، وهما ليسا مدلولين للكلام اللفظي ، والمتصف بالمضيّ ومقابليه هو المعنى الّذي هو مدلول اللفظ بالحقيقة ، وبتبعية اتصافه بأحدها يتّصف اللفظ الحادث به ، فيكون مدلول اللفظ الحادث حادثا لا محالة . وبالجملة لا شبهة في أنّه لا معنى للمعنى القديم غير التكلّم الحقيقي الّذي هو عين الذات أو