تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع الأفكار وناقد الأنظار — صفحة 449

مساهمون:

ص٤٤٩
المادّي في الخارج أوّلا ثمّ يصير متخيّلا ثمّ يصير معقولا ففي المجرّدات على عكس ذلك - أي : يعقل ذات المجرّد أوّلا ثمّ يتخيّل ثمّ يصير مرئيا - . وكما أنّ المادّي بعد صيرورته معقولا لا يكون قائما بذاته - بل يكون قائما بالنفس العاقلة - فكذلك المجرّد بعد صيرورته محسوسا لا يكون قائما بذاته - بل يكون قائما بالحسّ المشترك - ، فالملك المنزل ينزل أوّلا على قلب النبيّ - أعني : نفسه الناطقة القدسية - ثمّ على خياله ثمّ يدرك بحسّه الظاهر . وكذلك الحال في كلامه - سبحانه - ، فانّه يلقي المعاني أوّلا على قلب النبيّ ثمّ تصير متخيلة ثمّ تصير الفاظا مسموعة بالسمع الظاهر ؛ وكلام المخلوق بعكس ذلك ، فانّه يسمع الألفاظ أوّلا بالسمع الظاهر ثمّ تصير متخيّلة ثمّ تصير معانيها معلومة للنفس . وإلى ما ذكرنا يشير ما ذكره الحكماء في القوّة المتخيلة حيث قالوا : « وممّا يتعلّق بهذه القوّة مشاهدة الوحي للأنبياء - عليهم السلام - في اليقظة ، فانّهم لقوّة أنفسهم وانجذابهم إلى الملكوت وقدرتهم على قوّتي الوهم والخيال يحصل لهم في اليقظة ما يحصل لغيرهم في المنام من ادراك الأمور الغيبية ، فيدركون الشيء بحاله أو بمثاله ويتمثّل لهم شبح حامل الوحي من جبرائيل - عليه السّلام - أو غيره من الملائكة المقرّبين ، فيشاهدونه ويتمثّل لهم ما يدركونه من المعاني ، فيسمعون منه خطابا بألفاظ مسموعة مقروءة ، وهذه نبوّة مختصّة بالقوّة المتخيّلة ؛ وهاهنا نبوات أخرى متعلقة بالقوة العقلية » ؛ انتهى . إذا عرفت ذلك فاعلم ! : أنّ المراد من المعنى الثاني الّذي ذكره الغزالي لسماع الكلام بلا صوت وحرف - أعني : المعنى الّذي هو المقصود بالذات بإلقاء اللفظ الدالّ عليه هو الوحي على ما هو الظاهر - ففيه : أنّ الوحي حاصل لجميع الرسل ، فلا وجه لتخصيص موسى - عليه السّلام - بكونه كليم اللّه لقضية الطور والشجرة ؛ اللّهم إلّا أن يقال : كلّ رسول كليم اللّه إلّا أنّه اطّرد لوجه التسمية وشيوعها . وهو كما ترى ! . مع أنّ المعنى الثاني - على ما ذكره - هو مجرّد القاء المعاني في الروع من دون حرف وصوت أصلا ، وهو الّذي ذكرنا أنّه يسمّى بالالهام ؛ والوحي - على ما ذكره الحكماء - لا ينفكّ عن اللفظ والصوت . وإن كان المراد منه مجرّد ما نفهمه من ظاهره - أعني : القاء المعاني من دون حصول شروط الوحي فيه وكان الوحي عنده
جامع الأفكار وناقد الأنظار — صفحة 449 | ملا محمد مهدي النراقي