تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع الأفكار وناقد الأنظار — صفحة 365

مساهمون:

ص٣٦٥
الوحدة المطلقة المبراة عن كلّ لاحق ؛ وقد أشار إلى ذلك سيدنا أمير المؤمنين - عليه السلام - في بعض خطبه بقوله : « وكمال الاخلاص نفي الصفات عنه » ؛ فليس للواجب - سبحانه - في نفس الأمر صفة ثبوتية ولا سلبية . وجميع ما يوصف به - سبحانه - من الصفات إنّما هو اعتبارات محضة يحدثها عقولنا عند مقايسة ذاته - سبحانه - إلى غيرها . والباعث في هذا الوصف - كما وردت به الكتب الإلهية والسنن النبوية - أمران : أحدهما : ليعمّ التوحيد والتنزيه كلّ طبقة من الناس ؛ والثاني : انّه لمّا كان دأب العقلاء أن يصفوا خالقهم - سبحانه - بما هو أشرف طرفي النقيض - لما تقرّر في عقولهم من أعظميته ومناسبة أشرف الطرفين للأعظمية - كان وصف اللّه - تعالى - به من الصفات الحقيقية والإضافية والسلبية كلّها كذلك من غير أن تكون تلك الصفات ثابتة له - تعالى - في الواقع . وربما احتجّوا على ذلك بما روي عن الامام الهمام محمّد بن عليّ الباقر - عليه وعلى آبائه السلام - : « هل يسمّى عالما وقادرا إلّا لأنّه وهب العلم للعلماء والقدرة للقادرين ؟ ! ؛ وكلّما ميزتموه بأوهامكم في ادقّ معانيه مخلوق مصنوع مثلكم مردود إليكم ، والباري - تعالى - واهب الحياة ومقدّر الموت . ولعلّ النمل الصغار يتوهّم انّ للّه - تعالى - زبانيتين فانّهما كمالها ويتصوّر انّ عدمهما نقصان لمن لا يكونان له » ؛ هكذا حال الفضلاء فيما يصفون اللّه - تعالى - به / 192
MA
/ فيما احسب وإلى اللّه المفزع . أقول : لمّا كان حاصل هذا المذهب على الظاهر انّه ليس للواجب - سبحانه - شيء من الصفات في الواقع ونفس الأمر ، لذا لم نجعلها معدودا من المذاهب المعروفة لتصحيح عينية الصفات ؛ لأنّ العينية فرع اثبات الصفة وعلى هذا المذهب لا يثبت صفة بوجه ، فهو يوجب التعطيل في حقّه - سبحانه - . وقد أتى ببطلانه شرائع الأنبياء وصرّح بفساده أساطين الحكماء . كيف ولو جوّز العقل أن ينفى عنه العلم والقدرة والحياة وغير ذلك من الصفات الكمالية لوجب عزل العقل في باب معرفة اللّه - تعالى - رأسا ! ، فلا يمكن أن يثبت له البساطة ، أو يقال انّه محض الوجود ، أوليس بجاهل ، أوليس بمركّب ، أو يجب ان يكون على أعلى طرفي النقيض ، أو واجب الوجود ، أو موجد للكلّ